رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مصر الأخرى

 

 

ثلاثة أيام قضيتها بقريتنا (أبو داوود تمي الأمديد دقهلية) وأزعجنى شعور قاسٍ بأن مصر التي نتابع أخبارها ومشاكلها قد لا تتعدى القاهرة ( مدينة ومجتمعاً وثقافة وحكماً) أما الريف الذي يمثل أكثر من 55% من المحروسة والمسئول عن إطعام 100 % من المصريين فهو خارج رحم التخطيط.. تحدث إليّ مهندس زراعي كبير بأسى شديد عن شبح الجوع المائي الذي يهدد الفلاحين ويدفع بعضهم لتبوير الأرض، وعندما سألته عن نسبة الأراضي التي تم تبويرها لندرة مياه الري أفادني بأنها لا تقل عن 10% من المساحة الكلية لأراضي القرية.

 مشكلة أخرى لا تقل خطورة عن التبوير وهي أن كثيرًا من المزارعين اضطروا لري أراضيهم من مياه المصارف التي كانت وزارات الزراعة والبيئة والصحة تجرم من يروى أرضه منها في السابق وكان يتعرض الفلاح الذي يقدم على ذلك لغرامات قاسية.. قال لي المهندس الزراعي إنه مسموح اليوم الري من المصارف رغم المخاطر الصحية لهذا الأمر وأيضا مخاطر زيادة نسبة الملوحة بالأرض الزراعية مما يقلل من كفاءتها تدريجياً.

الأمر الثاني الذي يبقى الريف خارج رحم التخطيط التدهور البيئى البشع الذي يدمر التوازن الطبيعي المميز للريف منذ قرون وحين تموت الطبيعة تتحول البيئة إلى مقصلة للصحة العامة للبشر، وقد نلحظ ذلك بسهولة في لون بشرة أهلنا بالريف وخريطة أمراضهم.

الأمر الثالث أن هناك غيابًا تامًا للتخطيط العمراني مما ترتب عليه تحول قرى مصر إلى عشوائيات قبيحة تركت بلا ضابط ولا رابط، ولم تستفد الدولة عبر أجيال متعاقبة من كثير من الدراسات التي نبهت من مطلع السبعينيات الى أهمية التخطيط العمراني للريف بما يتناسب مع ظروف الحياة وثقافة هذه المجتمعات.. من الملاحظ أيضا الغفلة الأمنية عن الريف والتي سمحت لتجارة المخدرات بالتضخم الفاجر إلى الحد الذي أصبح فيه تعاطي الشباب للبانجو وتجارة الكثيرين فيه أمرًا عاديًا غير ملفت للنظر.

وقد كان من المتصور أن اقتحام وسائل الإعلام الحديثة للمجتمعات الريفية خاصة شيوع الانترنت والموبايل سينبه وزارات مثل الثقافة والتعليم إلى وضع المجتمعات الريفية على خريطة تخطيطهم ودراسة مخاطر النور المبهر على عقول وعيون تعودت الضوء الهادئ فهل يعقل مثلا أن نترك مجتمعات بطبيعتها كانت أكثر ارتباطاً بالأرض وأكثر احتراماً لمنظومة قيم عاشت عليها قروناً نتركها ببساطة وربما بحماقة ليتآكل شعور أفرادها بالانتماء وتصبح الهجرة المجنونة من الريف للمدن كالوباء الذي يأكل الريف والمدن معاً لأن ما حدث أن هذه الهجرات أدت إلى ما يعرف بـ «ترييف المدن» ويتضح هذا الأمر في العشوائيات التي تخنق أرقى أحياء القاهرة والإسكندرية مثلاً وكلها بسبب هجرات نصف قرن مضى.. هذه الهجرات أفقرت الريف وأرهقت المدن والأخطر من ذلك أن الريف الذي كان يطعم أهل مصر ويزود المدن بخيراته أصبح مستورداً ومستهلكاً ومشغولاً بالكسب السريع من أنشطة تجارية طفيلية. ويبقى الأخطر في إهمال الريف أن هذا الإهمال يحول قرى مصر إلى مستودعات منتجة لخمائر التطرف والإحباط والسقوط الطوعي في حضن جماعات متخلفة كالإخوان وغيرهم.. فهل نواجه هذا التحدي أم ننشغل بتحدى الكيكي؟!.