رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تاريخ قناة السويس هو تاريخ مصر

 

 

المطامع الاستعمارية لم تتوقف.. الممر المائى الأهم فى العالم كان الهدف الدائم

إنَّ تاريخ قناة السويس هو تاريخ مصر، امتزج كلاهما بالآخر سياسياً واقتصادياً منذ الحروب الصليبية، وبشكل أكثر تحديداً منذ العصور الوسطى.

كان وجود حكم المماليك بمصر، قد حوَّل مصر إلى دولة جباية لفرض الرسوم المجحفة على القوافل العابرة للقطر المصرى من الإسكندرية إلى السويس، دون تقديم أى خدمات متميزة أو حراسات للبضائع، بما كان يجبر التجار على اللجوء لحماية قوافلهم باستخدام قبائل من بدو الصحارى وبتكلفة إضافية مرتفعة. لذلك، عندما أبحر فاسكو دى جاما عام 1497 بحثاً عن طريق للوصول للهند عن طريق رأس رجاء الصالح، وحتى إن كان يهدف أولاً لإكساب بلده البرتغال السيطرة على طريق الهند، فإنَّ اكتشافه قد أدى إلى انفراج فى التجارة الأوروبية مع شرق آسيا، ودون الحاجة للمرور بمصر، التى كان يرتادها كل تجار أوروبا، وعلى رأسهم تجار البندقية، تحت حراسة الأساطيل الحربية، أحياناً لفرنسا، وأحياناً لبريطانيا أو غيرها. ثم خرجت مصر من معادلة التجارة العالمية.

غير أنه كانت هناك محاولات لإعادة إحياء فكرة إنشاء قناة ملاحية بين البحرين الأبيض والأحمر، بعيداً عن مخاطر عبور الصحراء، وبعيداً عن السيطرة البرتغالية على التجارة العالمية. وقد حاول تجار البندقية، فى بداية القرن السادس عشر، إقناع السلطان قانصوة الغورى المملوكى بمشروعهم، لكنه رفض خوفاً من هيمنتهم على مصر. ثم ظهر فجأة مشروع ألمانى فى النصف الثانى للقرن السابع عشر نذكر من تفاصيله ما يلى:

كانت ألمانيا فى هذا العصر تمثل قوة أوروبية لا يستهان بها، إنما كانت تعانى من صولات وجولات الجيوش الفرنسية عبر أراضيها. وفى عام 1672، قام الألمان بارسال لايبنيتز بصفته دبلوماسياً وعالماً اشتهر رغم صغر سنه، للقاء الملك الفرنسى لويس الرابع عشر؛ لمحاولة إقناعه بالعدول عن إرسال جيوشه لألمانيا. بدأ لايبنيتز محادثاته بإرسال وصيته الشهيرة للملك الفرنسى، فيقول فى رسالته:

 «يجب على فرنسا الإعداد لغزو مصر؛ حيث إن موقعها الجغرافى متميز للسيطرة من خلاله على بحار العالم. إن مصر كانت فى الماضى أم العلوم، وقد صارت الآن أرضاً لمجتمع الخيانات المحمدية (المسلمين). لماذا نسكت عن خسارة تلك الأرض المقدسة، التى تصل أفريقيا بآسيا، وتصل بين البحر المتوسط والبحر الأحمر؟.. إن حفر قناة بين البحرين، سيسمح لفرنسا من خلال الموقع الجغرافى لمصر بتثبيت وسائل الاتصال بدول الشرق الثرية، وستربط التجارة بين الهند وفرنسا».

ومع أن لويس الرابع عشر كانت له اهتمامات أخرى فى ذلك الوقت، لكنه احتفظ بنصائح «لايبنيتز» فى أرشيفه الدبلوماسى إلى أن يحين الوقت الملائم. وظل التطلع لاحتلال مصر قائماً فى الأذهان لسنوات طويلة حتى جاءت الثورة الفرنسية. وفى محاولة لتقوية موقف فرنسا من إنجلترا، تم إرسال حملة نابليون إلى مصر لتحقيق ما أوصى به لايبنيتز الألمانى.

جاءت حملة نابليون إلى مصر عام 1798 بعلمائها ومهندسيها، لسبب واحد: تنفيذ وصية لايبنيتز: احتلال مصر، وشق قناة بين البحرين فى برزخ السويس. وبعد بعض المعارك مع جيوش المماليك، وفور أن استقر الوضع فى القاهرة، خرج نابليون مع مهندسيه لاكتشاف موقع ما سموه «قناة الفراعنة» فى السويس، والتى اكتشفت فعلاً، فكلف المهندسين بإعداد رسومات الرفع المساحى، ثم إعداد مشروع لشق قناة برزخ السويس. وهكذا تم رسم أول مشروع مساحى لقناة السويس، والذى اشتمل على الخطأ الشهير بوجود فارق منسوب قدره نحو عشرة أمتار بين البحرين، ما يعرض دلتا النيل للغرق لو نفذ بدون أهوسة. وكان هذا هو مشروع المهندس «لوبير».

وكانت إنجلترا تتطلع، أيضاً، لاحتلال مصر للسيطرة على طريق الهند. وباعتبار أن فرنسا هى منافسها الأول، فقد قام أسطول نيلسون بضرب وإغراق الأسطول الفرنسى فى موقعة أبوقير، بعد شهر واحد من وصول الحملة الفرنسية لمصر.

ولا يفوتنا تذكر حملة فريزر بعدها بسنوات قليلة لمحاولة احتلال مصر. أما عن بقاء قوات الحملة الفرنسية بمصر، فنعلم أن وجودها لم يزد على ثلاث سنوات تحت قيادة نابليون ثم كليبر ثم مينو.. إنما قد لا نعلم كواليس انتقال الحكم من المماليك إلى محمد على باشا. فلقد قام نابليون بعد مغادرته مصر بتكليف أحد معاونيه الدبلوماسيين، والذى عمل ضابط اتصال للجيش الفرنسى أثناء الحملة، باختيار أحد قادة الفرق المتحاربة فى مصر، ليكون هو الحاكم الفعلى للبلاد تحت مظلة فرنسا، فكان هذا الدبلوماسى الفرنسى هو «ماتيو ديليسبس» الذى اختار من بين القادة العسكريين قائد فرقة الأرناؤوط المكونة من 8000 عسكرى ألبانى أرسلهم السلطان العثمانى ضمن الجيش التركى لمواجهة الحملة الفرنسية. وهذا الأرناؤوطى هو محمد على الذى أظهر إمكانياته القيادية فى السيطرة على شغب المماليك وتقاتلهم على اقتسام الغنائم، كما أظهر حزمه فى مفاوضة الضباط الفرنسيين بأسلوب عقلانى. وهكذا، قام ماتيو ديليسبس بترشيح محمد على وهو لا يزال قائد عسكرى صغير عام 1804، لدى نابليون ووزارة خارجية فرنسا، كما أوصى سفير فرنسا السيد «سيباستيانى» لدى الباب العالى بترشيح محمد على لنيل شرف تمثيل السلطان فى مصر. ومن جهة أخرى، سعى ماتيو ديليسبس لدى عمر مكرم وشيوخ الأزهر فى إقناعهم بقدرة محمد على تخليص مصر من المماليك نهائياً لو قبلوه والياً للخليفة العثمانى.

وقد نجحت مساعى ديليسبس هذا فى تولى محمد على حكم مصر فى 9 يوليو 1805، فى حين أنه كان قد غادر هو مصر فى قبل هذا التعيين بعدة أشهر.. وهكذا استعاضت فرنسا عن احتلال مصر عسكرياً باحتلالها ثقافياً وعلمياً، فكان هذا الاحتلال بداية لعصر التنوير وبداية لنهضة مصر على يد محمد على، وبداية لتحويل مصر إلى دولة صناعية ودولة استعمارية قادرة على منافسة الخلافة العثمانية فى الهيمنة على الشرق الأوسط.. وتم كل ذلك بدعم مباشر من فرنسا وعلمائها أمثال الكولونيل سيف الذى تحول إلى سليمان باشا، مؤسس الجيش المصرى الحديث ومعاون إبراهيم باشا فى تنظيمه، أو أمثال الدكتور أنطوان بارتيليمى كلوت، الذى سمى فيما بعد كلوت بك، الذى نظم الجهاز الصحى للجيش المصرى، ثم أسس النظام الحديث لتعليم الطب وأسس كليات الطب، وساهم فى تنظيم المؤسسات الصحية والاجتماعية والإصلاحية فى ربوع مصر، وكذلك المهندس كوست فى التشييد والمعمار أو لامبير فى تنظيم مشاريع الرى والسدود أو جيوميل فى إدخال زراعة القطن أو أوجوست مارييت فى علوم المصريات، وإنشاء المتاحف... إلخ... هذا طبعاً بالإضافة إلى البعثات التعليمية المصرية التى أرسلت إلى فرنسا للاستزادة بالعلوم الحديثة، والانفتاح على عصر النهضة، وكان منهم كما نعلم رفاعة الطهطاوى وغيره ممن أثروا فى نهضة الدولة المصرية.

وخلال تلك المرحلة من تاريخ مصر فى عهد محمد على استمرت عدة بعثات علمية أوروبية فى دراسة مشروع إنشاء قناة السويس، وكان أشهرها بعثة الأب انفنتان، رائد حركة السان سيمونيان الفرنسية الذى أتى إلى مصر فى بداية الثلاثينيات (عام 1833)، محاولاً إقناع محمد على بمشروع القناة، (وكان ذلك فى نفس وقت تولى ديليسبس الابن مهمة القنصل المساعد الفرنسى بالإسكندرية). ولكن كان لمحمد على أولويات أخرى فى تلك الفترة، وعلى رأسها بناء القناطر الخيرية لتنظيم رى الدلتا، وإحكام إدارة بلاد الشام حتى حدود الأستانة والتى احتلتها مصر عشر سنوات كاملة، مع صعوبة استبدال السيطرة التركية على مضيق البوسفور بالسيطرة المصرية، ولذلك كانت جملته الشهيرة بخصوص قناة السويس: «لا أريد بوسفور آخر فى مصر».. ثم جاءت معارضة إنجلترا للتوسعات المصرية؛ حيث إنها كانت تتم بمعاونة فرنسا (مثال تنصيب سليمان باشا حاكماً عسكرياً على سوريا)، فكان مؤتمر لندن سنة 1840 الذى ألزم مصر بالتنازل عن الشام والعودة إلى حدودها الأفريقية.

وكان بروسبير انفنتان قد عاد إلى فرنسا بعد قضاء ثلاث سنوات بمصر، حاملاً معه حلم إنشاء قناة السويس، (وحلم إنشاء قناة بنما فيما بعد). وبقى بمصر مجموعة من أتباعه لاستكمال أعمال الرفع المساحى لمناطق حفر القناة، وكان من بينهم صديقه «لينان دى بيلفون» (والذى أصبح فيما بعد لينان باشا، وصار رئيس الأشغال العامة وقت إنشاء القناة). وأخذ يراسل منها صديقه لينان باشا لإشعال حماسه واكتساب سنده فى مشروع قناة السويس، وأرسل له الرسومات الهندسية لثلاثة حلول هندسية لمشروع القناة كان لامبير قد درسها فى موقع برزخ السويس.

عكف انفنتان فور عودته لباريس على تأسيس  شركة دولية للدراسات الهندسية، وبدأ فى عمل حملة صحفية فى مختلف الجرائد الأوروبية للدعوة لمشروع قناة السويس. وبدأ بالفعل يلقى استجابة من بعض رؤساء الدول والوزراء، وبدأت بعض الأموال تصل شركته لدعم الدراسات الهندسية، حتى تنازع الإنجليز والفرنسيون والألمان على تعيين رئيس الإدارة التنفيذية للمشروع.

 من الجانب الفرنسى اقترح أنفنان، أحد أتباعه هو المهندس تالابو، فى حين رشح الإنجليز المهندس ستيفنسون، مخترع المحرك البخارى للقطارات، ورشح الألمان اسم المهندس النمساوى القدير «نيجرللى». وقد انتهى هذا النزاع بانقسام الشركة الهندسية إلى شركتين، إحداهما فرنسية والأخرى ألمانية، فى حين انسحب الإنجليز.

استطاع الألمان مع المهندس نيجرللى السبق فى إنهاء الدراسات، والانتقال بها إلى القاهرة عام 1846 لإقناع السلطات المصرية بمشروعهم. أما الشركة الفرنسية، فقد أنهت أعمالها عام 1847، وسافر بها جماعة سان سيمون لمصر بصحبة ابن أنفنتان. وفى عام 1849، وبعد وفاة محمد على، ظهر على الساحة لأول مرة اسم فرنسى جديد فى إطار مشروع قناة السويس: فرديناند ديليسبس. (ابن ماتيو ديليسبس).. كان ديليسبس قد ترك منصبه فى القنصلية الفرنسية فى مصر منذ زمن، وعمل دبلوماسياً فى سفارة فرنسا بروما. ونتيجة أخطاء سياسية ارتكبها هناك، فقد تم رفده واستبعاده من السلك الديبلوماسى الفرنسى. وعندما ظهر مشروع القناة فى الصحافة الأوروبية، تذكر ديليسبس الأب انفنتان الذى جاء مصر منذ خمسة عشر عاماً للقاء محمد على بخصوص هذا المشروع، وأنه قد رتب له هذا اللقاء.. لذلك قرر ديليسبس الاتصال بانفنتان ومحاولة عرض خدماته للحاق بالقطار والدخول فى المشروع. وفى حين لم يكن المهندس تالابو مطمئناً لنوايا ديليسبس ولأسئلته الكثيرة، وثق الأب انفنتان فيه، معتقداً إقناعه دخول جماعة السان سيمونيان ليصبح أحد الأتباع العاملين فى المشروع.

عندما تولى سعيد باشا الحكم بعد مقتل عباس حلمى الأول عام 1853، هرع ديليسبس إلى مصر، وذهب إلى سعيد باشا ومعه مشروع السان سيمونيان لشق قناة فى برزخ السويس، ثم قام بإهمال علاقته بالسان سيمونيين عندما وجد استجابة من سعيد باشا، بل وذهب إلى المطالبة بإخراج كل مهندسيهم من المشروع والأخذ بمشروع النمساوى نيجرللى إلى جانب مشروع لينان باشا، المنقول من دراسات لامبير.

 وأمام هذا التصرف، فهم الأب انفنتان وجماعته أنهم وقعوا فريسة لديليسبس. ولكن لم يبحث أنفنتان عن أى انتقام، فقد كان مهتماً بإتمام المشروع بأى شكل.

العصر تغير... الدول تغيرت... لكن الأهداف الاستعمارية لا تزال قائمة.