رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

خارج السطر

ساعة الجاسوس الإسرائيلى

دعونا نتعلم كيف نُخلد رموزنا وأبطالنا المنسيين. ما قيمة ساعة يد قديمة لدولة؟ ما فائدتها لأجهزة استخبارات؟ ماذا تعنى وقد مر على موت صاحبها نصف قرن؟

فى الأسبوع الماضى نفذ جهاز الموساد الإسرائيلى واحدة من أغرب عملياته. رجال مدربون تسللوا إلى سوريا، بهدف استعادة ساعة يد كان يرتديها الجاسوس إيلى كوهين قبل إعدامه فى حى المارجة بدمشق سنة 1965.

تخيلوا، أن يطلق بنيامين نتنياهو تصريحاً يُهنئ فيه جهاز الموساد على استعادة تذكار من بطل قومى بعد نصف قرن، وأن يتم عمل احتفال بذلك، وأن تهدى ساعته إلى أرملته.

كوهين، جاسوس شهير ولد فى الإسكندرية سنة 1924 ودرس الهندسة فى جامعة القاهرة، وانخرط فى المنظمات الصهيونية فى مصر تحت زعامة جون دارلينج، قبل أن يهاجر نهائياً إلى إسرائيل سنة 1957. المهم أنه تحول إلى جاسوس للموساد بعد ذلك، وتم الاستفادة من ملامحه المصرية لتحويله إلى مسلم سورى يعمل رجل أعمال، وتمت زراعته فى دمشق باسم كامل أمين ثابت. واستطاع كوهين أو كامل ثابت إقامة علاقات واسعة بقادة الجيش السورى، ووصل به الأمر أن أوكلت له مهام تنفيذية فى التسليح، وصار على علاقة مباشرة مع الرئيس السورى أمين الحافظ.

ونجحت مصر فى كشفه، عندما شاهد رجل مخابرات مصرى صوره، وهو يزور أحد المواقع العسكرية السورية، وطار إلى دمشق حاملاً ملف الجاسوس بتفاصيله ويقدمه إلى السلطات السورية ليتم القبض عليه وإعدامه شنقاً سنة 1965.

ما المغزى من استرداد ساعة إيلى كوهين؟ المغزى هو أن هناك رسالة تقدمها دولة إسرائيل إلى عملائها شرقاً وغرباً تقول «نحن معكم دائماً وأبداً. نقدر أعمالكم، وندعم شجاعتكم، ونحفظ لكم الجميل».

ليست مجرد ساعة يد وإنما معنى دعائى. لقطة خبث تثير الإعجاب. حركة ذكية من أناس يفكرون فى دواخل النفس البشرية. لفتة إيجابية لرد الجميل لجاسوس حولوه بطلاً قومياً. استغلال ناجح للحرب الأهلية فى سوريا.

قبل سنوات، عنيت بكتابة دراسة عن الأبطال المنسيين فى التاريخ المصرى الحديث، وهالنى أن أحصى أكثر من مائة شخص لا يعرفهم الناس رغم عظم ما قدموه للوطن. ضباط، وعلماء، وطلبة وعمال ونساء آمنوا بمصر وضحوا بأرواحهم فداء لها. بعضهم قتله الرصاص، والبعض الآخر أعدمه الأعداء، وآخرون ماتوا فى عزلة ونسيان.

القوائم طويلة، لكننا نحتاج إحياء ذكراهم وتخليد بطولاتهم مثلما جرى مع الجاسوس المصرى العظيم رفعت الجمال أو رأفت الهجان، كما أطلق عليه صالح مرسى.

كثيرون غيره عاشوا مع الخطر علينا استثمار قصصهم. كم رأفت الهجان لدى مصر؟ كيف نجحوا فى خدمة بلدهم؟ ولِم لا نستعيد تجاربهم ونستنطق حكايات البطولة فى زمن تشوهت فيه القيم وتخلخلت المعتقدات وخفتت مبادئ الوطنية؟

ما فعله نتنياهو ورجال موساده ليس من أجل إيلى كوهين، وأرملته، وساعته، وإنما من أجل دولتهم الغاشمة ونفوذها ومصالحها.

الدرس مهم، فتدبروا.

والله أعلم.

[email protected]