رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الناصية

«محمود الحُبَكىِ» فى كأس العالم!

عندما كان اللواء على زيوار يعلق على مباراة كرة القدم، وكأنه يعلق على معركة بين كتيبتين، كنت وأصدقائى فى الصعيد نلعب بالكرة فى ملاعب ترابية وبلا أحذية.. وكان حالنا ليس أسعد حالاً من لاعبى الأهلى والزمالك أو الترسانة وقتها، فقد كانوا يتسلمون الفانلة والشورت (من قطن المحلة) عهدة، والمسامير فى أحذيتهم كانت تجعلهم يقفزون من الألم طوال المباراة أكثر مما يلعبون.. ومن العادى أن يعودوا مع الجماهير فى المواصلات العامة بعد كل مباراة.. أما الآن فإن المعلقين أصبحوا أكثر نعومة ويولولون مثل النساء، واللاعبون أقل موهبة مع أن أطقم الشورتات والفانلات من أشهر الماركات، وجميعهم يكسبون الملايين ويمتلكون أفخر السيارات.. بينما ظل أبناء الصعيد يلعبون فى الشوارع، والجمهور بقى على حاله يستخدم المواصلات العامة!

وكنا، ونحن صغاراً نصنع ألعابنا، ولا نشتريها.. الكرة نصنعها بأيدينا قبل كل مباراة، والسبع بلاطات، وكرة «أول حوّل» الصغيرة، ونجمع أغطية زجاجات الكازوزة نحولها لإطارات سيارات من الخشب أو الكرتون، ونبدع فى عمل الطائرات الورقية، ونصنع من الطين أكثر من لعبة.. وألعابنا كلها من مواد محلية يتم تدويرها وإعادة إنتاجها، ونجحنا ونحن عيال فى تطبيق ما يعرف حالياً باسم التنمية المستدامة، الذى فشلت فى تطبيقه على القمامة كل حكوماتنا.. وكان الشارع هو ملعبنا الكبير والوحيد، الذى نمارس فيه عشرات الألعاب، وكأنه استاد رومانى مفتوح للألعاب الأولمبية.. الأولاد يلعبون أشياء شبيهة بألعاب القوى، وأخرى شكل الجولف والبلياردو، والجمباز مثل لعبة الحصان حيث ينحنى أحدنا ويقفز البقية، و«الغماية، أو الغميضة أو الاستغماية» وهى أشبه بألعاب الركض أو الجرى، وحرب العصابات وهى أقرب إلى الملاكمة أو المصارعة.. وألعاب أخرى مثل «ترى تراك» و«الطاب».. وكان للبنات، أيضاً، وفى نفس الشارع ألعابهن مثل «الحجلة» و«الأولىَ» و«نط الحبل»، أو بعرائسهن القطنية.. حيث كان الكل يصنع لعبته، والكل يلعب معاً، والشارع هو ملعب الجميع!

وفى مدينتى «نجع جمادى» كان بيننا، عدد ليس قليلاً من الموهوبين فى فن صناعة كرة القدم، وكذلك فى اللعب بها.. ولا أنسى أبدأ «محمود الحُبَكىِ»، وقد أُطلق عليه لقب «الحُبَكىِ» لأنه كان أسرع من يقوم بـ«حَبكْ» الكرة (بفتح الحاء وتسكين النون) بطريقة محترفة ليجعلها أشبه بالكرة «الكَفَر»، حيث كنا نشترى بالونة واسمها فى الصعيد «ُنفَاخَةِ» ونلفها بأشرطة من القماش بحساسية شديدة حتى لا «تطرقع» ثم نلف عليها الخيط، وهى أهم مرحلة التى تعرف باسم «الحَبك»، بحيث تكون قوية ومرنة، ليست بالخفيفة، ولا الثقيلة.. والأهم أن تكون دائرية، وفى الأخير نلبسها الشراب، الذى كنا نسرقه من المنزل وتعانى أمهاتنا من اختفاء الشرابات!

وكان صديقنا «محمود الحُبَكىِ» يصنع الكرة بيد مدربة، ويلاعبها بقدم ماهرة.. فهو قصير القامة، وحريف فى الترقيص، ويمتلك قدرة فائقة على المناورة بطرق حديثة ومبتكرة، لا تقل عن مهارة لاعبى كأس العالم حالياً، ولديه ميزة عجيبة فى الاحتفاظ بالكرة وكأنها مربوطة فى قدمه، وبمهارات مذهلة فى التحرك بها فى كل الاتجاهات، وكأنه «ميسى» الصعيد قبل أن يولد «ميسى الارجنتينى».. وكان يلعب بطريقة ذكية وخفيفة الظل مصحوبة بتعليقات لا تخلو من التهكم من اللاعب الذى أمامه ليؤثر فى نفسيته وثقته بنفسه ولكن بكل أدب ولباقة ولياقة لدرجة أننا كنا نترك الكرة له ليلعب ونتفرج عليه ونضحك على سخريته ونستمتع بمهاراته!

وأعتقد لو كان «محمود الحُبَكىِ» يعيش فى القاهرة المعروفة باسم «مصر» فى الصعيد، لكان له مكانة عظيمة فى شيئين.. إما لاعب شهير مثل الخطيب وفاروق جعفر، أو من أكبر صنّاع كرة القدم.. ولكن لا شىء من الاثنين تحقق، وكل ما أعرفه عنه الآن أنه موظف يكتب الشعر، مثله مثل كل أبناء الصعيد الموهوبين الذين لا يعرفون كيف يحققون مواهبهم التى، عادة، تحتاج إلى تكاليف باهظة لا طاقة لأسرهم عليها، ولا يكون أمامهم سوى الكتابة.. والشعر فى الصعيد أرخص فن يمكن أن يمارسه الصعايدة لأنه لا يحتاج سوى ورقة وقلم.. والشعر فى الصعيد ليس اختياراً ولكن لا بديل آخر، ولذلك من النادر أن تجد صعيدياً موسيقاراً أو مطرباً، أو نحاتاً، أو ممثلاً أو مخرجاً أو.. أو.. ولكن هناك مئات المئات من الشعراء!!

[email protected]