رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لا تقتلوا الإعلام

 

بعد هزيمة 1967 القاسية واجه الإعلام المصرى أزمة ثقة كبرى جعلت المواطنين ينصرفون عنه بحثاً عن إعلام خارجى، ودعا وزير الإعلام «محمد فايق» المسئولين عن الإذاعة والتليفزيون لاجتماع يتباحثون فيه عن طريق لاستعادة ثقة الجماهير.

تعددت الاجتماعات وتحدث الكثيرون وكانت أكثر الاقتراحات المطروحة تتعلق بما أسماه البعض «تكثيف التوعية» السياسية وتقديم تبريرات معقولة لسبب الهزيمة القاسية.

كنت مدعواً لحضور هذه الاجتماعات ولم يكن وضعى الوظيفى يسمح لى بالحضور، فالدعوة موجهة لمديرى العموم وكنت يومئذ فى درجة وظيفية أقل بكثير من درجة مدير عام، لكن وزير الإعلام سمح لى بالحضور والمساهمة فى البحث عن حل، وبعد أن استمعت إلى العديد من المقترحات وكلها تدور - كما ذكرت - حول «تكثيف التوعية» وزيادة مساحة البرامج السياسية، طلبت الكلمة واقترحت تقديم برامج حية من الشارع يعبر فيها المواطنون عن شكاواهم واقتراحاتهم وتقديم برامج تنتقد سلبيات الإدارة وعدم إذاعة الأناشيد التى تتغنى بشخص عبدالناصر.

تكهرب جو الاجتماع ورأيت نظرات الإشفاق تحيطنى، وحده وزير الإعلام الأستاذ محمد فايق كان ينصت باهتمام، وبعد أن أنهيت كلامى ناقشنى فى بعض التفاصيل وسط دهشة الحاضرين، وعندما غادرنا الاجتماع جذبنى من يدى الأستاذ عبدالحميد الحديدی «رئيس الإذاعة يومئذ» وهمس فى أذنى: أنت مجنون يا «غضبان»؟! كان الرجل صادقا فى مشاعره وهو يشفق علىّ من مصير يتصور أنه سيكون على أقل تقدير فصلى من العمل.

بعد عدة أيام دعا وزير الإعلام لاجتماع مماثل وأبلغنا فيه أن المقترحات كلها نوقشت فى القيادة السياسية وأن الرئيس عبدالناصر وافق بحماس على المقترجات التى طالبت بحرية «معقولة» تسمح للإذاعة والتليفزيون بنقد السلبيات ووافق على عدم إذاعة الأناشيد التى تتغنى بمآثره الشخصية.

وبدأنا بالفعل فى الإذاعة بتقديم عدد من البرامج التى تحقق هذه الأهداف ومنها «همسة عتاب» الذى حقق نسبة هائلة من الاستماع والأهم أن البرنامج كان يتلقى العديد من الرسائل من المواطنين تكشف عن مواطن الخلل والفساد، وكان لإذاعة هذه الحالات ردود فعل ممتازة، وقدم الأبنودى برنامجاً نقدياً يتعرض لنقد سياسات خاطئة تحت مسمى «بعد التحية والسلام» وعدد آخر من البرامج التى تنتهج نفس النهج.

وبدأت الإذاعة تسترد بعض الثقة المفقودة، هذه التجربة العملية رأيت أنها تستحق التذكير بها فى الظروف الحالية التى تتجه فيها الحكومة إلى فرض المزيد من القيود التى تغلق ما تبقى من نوافذ بالغة الضيق يحاول الإعلام أن يطل منها على الجماهير.

هذه التجربة وتجارب العالم كله تؤكد أن تقييد حرية الإعلام فى أى بلد يدفع المواطنين للانصراف عن متابعة هذا الإعلام، وفى زمن السماء المفتوجة هذه الأيام ستنصرف الجماهير لمتابعة «إعلام» آخر حتى وإن كان معادياً، فهل يدرك المسئولون أنهم يقتلون فعلاً الإعلام المصرى بمشروع القانون الذى قدمته الحكومة لمجلس النواب والذى يغلق تماماً كل نافذة لحرية التعبير؟! ليت العقلاء يتداركون الأمر.