رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

دبلوماسية «القسم بالله» في العلاقات الدولية!

 

 

يمكنك أن تعتبرها نوعاً جديداً من الدبلوماسية أفرزتها تطورات العالم المعاصر الذي نعيشه على غرار دبلوماسية «البينج بونج» بين الصين وأمريكا، أو الدبلوماسية الشعبية التي تبلورت بعد ثورة يناير في التعامل مع أزمة «سد النهضة» أيضاً، وهى نوع من الدبلوماسية يهدف إلى تعزيز حالة الثقة بين الأطراف المتخاصمة من خلال إدخال مجال جديد هو القسم بالله في التأكيد على الالتزام بالمواقف التي اتفق الطرفان على ضرورة العمل في إطارها.

وربما يكون رئيس الوزراء الإثيوبي، الدكتور آبي أحمد علي، هو أول من سلك هذا النهج من الدبلوماسية في زيارته الأخيرة لمصر والتي حرص خلالها على الإدلاء بتصريحات تبدد مخاوفنا بخصوص مياه النيل جراء إنشاء بلاده لـ«سد النهضة»، حيث أقسم خلال المؤتمر الصحفي مع الرئيس «السيسي» على ذلك قائلاً: «والله والله لن نلحق الضرر بمصر».

ولأن هذا نهج جديد في علاقات الدول، وربما يكون الأول من نوعه، فقد حظي بقدر كبير من الاهتمام والتباين بين المهتمين بالشأن المصري مع إثيوبيا والذين تابعوا الزيارة ونتائجها عن كثب، حيث رأى البعض بأريحية أن فيما تم نصرا كبيرا لمصر استطاعت من خلاله أن تسجل أمام ملايين بل مليارات البشر شهادة بالصوت والصورة للمسئول الإثيوبي لا يمكنه التنصل منها ولو بعد حين، وأن ذلك قد يكون أفضل من الاتفاقيات المكتوبة التي ربما يسود الاختلاف بشأن تفسير بنودها، وهي رؤية للأسف متهافتة وتثير التساؤلات بشأن مدى جدية أصحابها.

فيما راح البعض ينتقد ما رآه اعتماد مصر على مثل هذه الوسيلة في إدارة علاقتها مع إثيوبيا بشأن هذا الملف المهم، وهي رؤية ربما تبدو لو نظرنا إليها بروية لم تصب الحقيقة، حيث إنه من المستحيل أن تعول الإدارة المصرية على مثل هكذا طريقة في هذا الموضوع الشائك.

في تقديري المتواضع إن هذه الدبلوماسية والتي يمكن القول إنها تمت برعاية مصرية ومجريات المؤتمر الصحفي تشير إلى ذلك، إنما تعبر عن جوهر الروح التي تريد مصر أن يتم إدارة ملف أزمة «سد النهضة» من خلالها، هل هذه الرؤية أو هذا التصور لإدارة القضية على هذا النحو خاطئ أم سليم؟ هذه قضية أخرى.

لكن تأمل مسار القضية على مدار السنوات الأربع الأخيرة ستجد أن مصر تستدعي من مخزون صبر أيوب في التعامل مع أديس أبابا، والميزة أو العيب أن هذا الصبر لا ينفد، هناك حرص مصري من القيادة السياسية على عدم تعكير صفو هذا الملف بأي شكل من الأشكال، هناك محاولات مصرية دؤوبة لا تكل ولا تمل من بناء مناخ للثقة بين البلدين بالأساس وفيما بينهما السودان، هناك آمال عراض بأن أزمة «سد النهضة» لن تنتهي إلا نهاية سعيدة على طريقة الأفلام العربية، حيث يتزوج الحبيب محبوبته ويعيشان في تبات ونبات وينجبان صبيان وبنات! هناك بعد غائب ومفقود أتاح الفرصة للبعض أن يزعم أن مصر ليست متضررة ولا يحزنون وأن موقفها ذاك ليس لشيء سوى لتعظيم مكاسبها من إنشاء «سد النهضة».

بعيداً عن هذا وذاك فإن الحقيقة التي لا يجب أن تغيب عن أذهاننا أن ما يمكن وصفه بدبلوماسية القسم بالله ليست سوى حدث عارض وأن من السذاجة تصور أن مصر ستعول عليها كثيراً، فعلاقات الدول لا تنطلق من الأيمانات الغليظة فهذه ما أسهل نقضها والتراجع عنها. وعلاقات الدول لا تقوم على الخوف من الله، فذلك أساس في علاقات الأشخاص والأفراد، وإذا كان سلوك التراجع عن الالتزامات يتم حتى في الاتفاقيات المكتوبة، كما في موقف «ترامب» بشأن الاتفاق النووي مع إيران، فما بالنا بتلك الالتزامات التي لم تتجاوز الحناجر؟

الخلاصة، إننا يجب أن نضع ثقتنا في القيادة السياسية في حُسن إدارة هذا الملف على النحو المرجو، فليس لنا بعد الله سواها، وإن شاء الله.. إن شاء الله.. ونحن في آخر أيام رمضان.. لن يخيب أملنا.. اللهم استجب.

[email protected]