البحث عن محافظ!

 

ينشغل الإعلام هذه الأيام بحكومة الدكتور مصطفى مدبولي، ويستعرض أسماء أعضائها عضواً عضواً، ولكن الإعلام نفسه لا ينشغل بحركة المحافظين، ولا يستعرض أسماءهم، ولا يهتم بالحركة في مجملها، رغم أنها الأهم إذا كان المقياس هو المصلحة المباشرة للمواطنين!

فالمواطن في محافظة أسوان.. مثلاً.. لا يعرف سوى محافظها، ولا يقصد غيره عند قضاء مصالحه.. والمواطن نفسه لا يعرف الوزراء في العاصمة، ولا يسمع بهم، إلا من وسائل الإعلام، وإلا إذا زار وزير منهم أرض المحافظة هناك.. وكذلك الحال في باقي المحافظات!

والمحافظ بالتالي أهم لدى المواطن في أي محافظة من أي وزير.. وهذا طبعاً بافتراض أن العلاقة بين كل محافظ، وبين أبناء محافظته علاقة طبيعية، ومباشرة، وذات اتجاهين، وتقوم على موجتين متوازيتين من الإرسال والاستقبال بين الطرفين!

وكان الرئيس «السادات» هو أول مَنْ دعا إلى أن يكون المحافظ رئيس جمهورية في محافظته، وكان الإعلان عن هذا التوجه من جانب الدولة، قد رافقته دعاية واسعة وقتها.. ولكن.. لأن الخطوة لم يتم الإعداد لها جيداً، فإنها ماتت في حينها، وأخذنا منها شكلها، ولم ننشغل بمضمونها!

وكان المضمون أن تكون للمحافظ صلاحيات حقيقية، لا شكلية، وأن تتيح له صلاحياته أن يكون أقرب إلى رئيس الجمهورية في المحافظة المسئول عنها، منه إلى أي شيء آخر، وأن يتمكن من خلال الصلاحيات من اتخاذ قراراته، وأن يُنمي موارد ذاتية تستطيع بها المحافظة أن تنفق على مرافقها العامة، وأن تواجه مشكلات مواطنيها بحلول مُنجزة وعملية وسريعة!

ولكن هذا كله لن يجري لمجرد أننا.. كدولة.. نرغب في أن يكون المحافظ رئيس جمهورية، ولا لمجرد توافر النية، وإنما لأننا نؤمن بذلك عن اقتناع، ونذهب إليه من أقصر طريق!

ولو أن جهةً أمينة راقبت الأحوال في المنوفية على سبيل المثال، منذ القبض على محافظها قبل شهرين، إلى اليوم، فسوف تكتشف أن غياب محافظ جديد عنها الى هذه اللحظة، قد أصاب مصالح الناس هناك في مقتل، وأن الذين يقومون بمهمة تسيير العمل فيها يخافون التوقيع على ورقة واحدة، خوفاً من أن يكون مصيرهم هو نفسه مصير المحافظ المحبوس قيد التحقيق!

ولسنا في حاجة إلى محافظ يقوم بتسيير العمل، ولا الى مسئول أدنى منه ينهض بالمهمة نفسها نيابةً عنه إذا غاب.. ولكننا في حاجة الى محافظ يستخدم عقله في تنمية موارد المحافظة، وفي تعظيم مصادر دخلها، وفي العمل من خلال كل ذلك على تبديد إحساس لدى الناس فيها، بأنهم أقل من الذين يقيمون في العاصمة!

ولكن العقل وحده لن يسعف المحافظ، حتى ولو كان هذا المحافظ هو «سقراط» ذاته، أعظم العقول في اليونان القديمة.. إنما يسعفه أن يعمل بقانون يؤمن واضعوه بأن الوضع في الأقاليم أخطر من أن يُترك على حالته الراهنة، وأنه في حاجة إلى تبديل الفكر.. لا الشخص!