ثوابت وطنية

 

 

المرأة وطن، نعم المرأة وطن.. علينا الاعتراف أن الاهتمام بالمرأة ثابت وطني.. وأن إقصاءها عن المشاركة السياسية جريمة لا تغتفر.. وهذه الجريمة لها جذور تاريخية واقتصادية وقانونية، وبالمقارنة مع الرجال، نجد للنساء تاريخاً أقصر في المشاركة في الانتخابات السياسية ونتيجة لذلك أصبحت أقل خبرة في جميع مجالات العملية السياسية.

يميل العلم إلى اعتماد اتجاهين في تفسير السيطرة الذكورية على العملية السياسية، أولهما إن الخيارات التي اقرها المجتمع للمرأة قد دعتها إلى توجيه طاقاتها نحو الاهتمامات العائلية لا سيما تنشئة الأطفال، أما الثاني فيرى التقاليد والعادات والأعراف الاجتماعية التي تتحكم في الاتجاهات نحو الأدوار والامتيازات السياسية. وقد تجاوزت الدراسات الحديثة هذين المنظورين وأظهرت أن المؤسسات السياسية ذاتها أسهمت في خلق وتكريس هذه الاتجاهات وفي ديمومة الثقافة السياسية الانتقائية التي تؤثر سلبا حتى في النساء اللواتي يفزن في الانتخابات عندما تضع لهن شروطا للمشاركة.

 فمن المعلوم أن التصويت بحد ذاته ليس الضمان الوحيد لحصول المرأة على حقوقها السياسية، إذ هنالك دول كثيرة تعطي حق التصويت للمرأة ولكن - للآسف - المرأة بعيدة بأشواط كبيرة من حق الترشيح وتقلد المناصب والوصول إلى مواقع صنع القرار. ومن هنا كانت الفكرة.. كانت المبادرة التي تستحق أن نتوقف عندها «المرأة وطن» التي تقدمها الجمعية العمومية لنساء مصر، بالتعاون مع حزب الوفد العريق الذي شرفت بالانضمام إليه تحت قيادة الفقيه القانوني الجليل المستشار بهاء أبو شقة وتوليت فيه أمين عام المرأة، مساعد رئيس حزب الوفد لشئون المرأة. هدفنا ببساطة رسم خريطة تفصيلية تساعد المرأة على تبوؤ مواقع صنع القرار ويصبح صوتها مسموعا في قاعات مجالس الإدارات والبرلمانات والمحاكم مثلا.. وهذا الأمر يمثل عندي ثابتا وطنيا وموضوعا أساسيا من اجل النهوض بالمرأة ومن اجل تقدم البشرية جمعاء.

هدفنا من مبادرة «المرأة وطن» - يا سادة - لن يقف عند الحد الذي يراه الغالبية من رعاية النساء فقط، ولكن هدفنا تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة وهذا التزام مهم تضطلع به مصر في إطار سعيها لتوفير الرفاهية لكافة أفراد الشعب المصري رجالا ونساء ويتضمن هذا الالتزام تمكين المرأة من المشاركة في مجالات وأنشطة التنمية علي اختلاف أنواعها ومستوياتها باعتبارها عنصرا أساسيا لتحقيق هذه التنمية. فعلى مدي العقدين الماضيين ونتيجة لارتفاع مستوي التعليم وزيادة فرص عمل النساء في القطاع الرسمي، لقد اكتسبت المرأة المصرية إمكانيات جديدة وازدادت تطلعات النساء وقدراتهن علي المنافسة في مجال العمل العام فتحققت زيادة ملحوظة في عدد النساء اللائي يشغلن مناصب قيادية جديدة لم يسبق أن أتيحت لهن قبل ذلك ومنها منصب المحافظ وهذا عمل طيب وجهود محمودة ولكن نريد المزيد من الانجازات في مجال تمكين المرأة وأتوقع أن يحدث هذا لعدة أسباب رئيسية منها الإرادة السياسية التي تمثلت في توجيهات السيد رئيس الجمهورية المتتالية بإزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة علي توسيع دائرة مشاركتها في كل مجالات العمل العام وانعكاس هذه التوجيهات علي المستوي التنفيذي. يا سادة إذا كان تعزيز دور المرأة القيادية في الحياة السياسية مهمة صعبة فأهلا بها، فالقيادات هن شمعة تحترق لتضىء لمن حولها ولم أكن مبالغة في ذلك.. فالقيادة ليست تشريفا بل تكليف، والمرأة ساهمت بها على مر تاريخ وليس هذا بمستغرب، لأن دور المرأة في الأصل هو دور قيادي.. أليست هي الراعية الأولى لبيتها؟ أليست هي من يقوم بأصعب وأشق من المهام الموكلة إلى الرجل؟ أليست المرأة هي صانعة الرجال ومربية الأجيال؟ يا سادة.. إن كان بناء مجد الوطن في حاجة إلى الأيدي العاملة والأدمغة المفكرة التي تصنعها وللسواعد القوية التي تحميه، فإن هذا الوطن في حاجة أشد إلى من يصنع تلك الأيدي العاملة والأدمغة المفكرة حتى تخرج إلى معترك الحياة.. فالمرأة وطن.. وهذا ثابت وطني.