رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الحياة السرية

كلما ارتفعت أسوار الخوف والتقاليد والقيود وضاقت مساحات الحرية الإنسانية، اندفع الإنسان إلى دهاليز حياة سرية قد يجد فيها من متعة الإحساس والشعور بذاته أضعاف ما يشعر به وهو حر طليق داخل عالم ملغم بالأغلال والخوف.. الحياة السرية هى تلك التى نبوح فيها لأنفسنا بدواخل نفوسنا وتتفتح معها مسام مشاعرنا وعواطفنا مستقبلة هواء الحياة ومتنسمة عطر الزمن.. الحياة السرية هى أنا الذى لا أعرفه وأنت الذى لا تعرفه وهى التى لا تعرف نفسها.. ولكن فى مجتمعات تعانى من الحرمان والكبت بكل صنوفه - هل تتحول الحياة العامة أو العلنية إلى حيوات سرية؟

أعتقد ذلك وهذا ما يصيب المجتمع بازدواجية رهيبة فى شخصيته - تجده مثلاً مجتمعاً يدعى التدين وهو منقوص الإيمان ويدعى الأخلاق والمثل العليا وهو يكذب كما يتنفس - مجتمع له حياة ظاهرة وأخرى باطنة- وكأن الـ100 مليون مصرى هم فى الحقيقة 200 مليون بالنظر لازدواجية الحياة والمعايير والمثل.. خطورة هذا الوضع فى أى مجتمع أنه يفتته من الداخل أو من تحت الجلد وتبقى القشرة الخارجية فقط توحى بالتماسك، وهذا ما جعل شاعرنا الكبير نزار قبانى يصف المجتمعات العربية بأن وجهها حضارى وروحها جاهلية.

والحقيقة أن الجوهر كثير التناقض والهشاشة والانفرادية المجتمع من باطنه عبارة عن مستودعات كبيره للعزلة والانعزال.. يبدو مثل «جيتوهات» يهرب إليها الناس جماعات ليختبئوا داخلها هرباً من أنفسهم حيناً ومن مجتمعهم حيناً آخر.. يتعاظم الخطر عندما يكون اللجوء للحياة السرية بهدف العودة لاغتيال المجتمع أو هدم مؤسساته وهو ما عايشناه منذ بدايات القرن العشرين وحتى يومنا هذا ممثلاً فى جماعات تعتمد أسلوب ممارسة العنف المسلح لتحقيق أهداف سياسية تراها حقاً شرعياً وأحياناً مقدساً.

وأمام حقيقة المجتمع الموازى أو الحياة السرية لكل شخص، فنحن نواجه حقاً معضلة كبيرة تعطل كل محاولات التطور لأن المخطط يصمم تصوراته ويحدد مسار الحركة المستقبلية وفقاً لمجتمع محدد وظاهر، إلا أن المجتمع الحقيقى هو المجتمع غير الظاهر.. المجتمع السرى أو ذو الحياة السرية. دراسة المجتمع المصرى مسألة مهمة وتستحق اهتماماً كبيراً من مؤسسات الدولة المعنية بأمر كهذا لأن الواقع الاجتماعى فى مصر خليط من العدمية والإحباط والترهل التاريخى وانعدام الرؤية حيث لا أفق مفتوحاً على المستقبل بشكل واضح.

حتى اللغة التى نتكلمها تشهد حالة ارتباك وإهانة جمعية وتآكل المصطلح والمعنى لصالح انتهازية ثقافية جديدة دفعت المعانى للانتحار العلنى.. حدثتنى صديقة عزيزة فى العقد الخامس من عمرها أنها نادمة على إعلائها من قدر المبادئ والمثل فى شبابها، وأن قليلاً من النفعية مفيد للإنسان لكى يشعر بالتوازن والاندماج فى مجتمع بات يلفظ أصحاب المثل والقيم، تذكرتها وأنا أقرأ بعض حكايات التراث الأوروبى الطريفة التى تظهر تفوق اليهودى بأنانيته ورفضه للأغيار.

تقول الحكاية إن أيرلندياً واسكتلندياً ويهودياً كانوا يسيرون فى الصحراء وحل الليل عليهم واكتشفوا أن رغيفاً واحداً متبقياً معهم.. اتفق الاسكتلندى والأيرلندى على اليهودى وقالا له.. سننام نحن الثلاثة ومن يحلم أجمل حلم سيأكل الرغيف.

وبعد نوم قصير استيقظ الأيرلندى والاسكتلندى ولحق بهما اليهودى.. قص الاسكتلندى حلمه أنه رأى بالمنام ملائكة صحبوه إلى الجنة وفتحوا أبوابها وقالوا له تفرج وتمتع بما ترى.. ثم حكى الأيرلندى أن جماعة غلاظ أخذوه إلى جهنم وقالوا له هذا مصير كل من يخالفنا، وجاء دور اليهودى فقال لهما لقد رأيت بمنامى أن أحدكما ذهب للجنة والثانى للنار فاستيقظت وأكلت الرغيف.