رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الحلقة «1»

أكلت لحم رأس من فلوس حرام!

 

هكذا نجحت فانتقلت إلى الصف الثانى الإعدادى.. وكان نظام المدرسة على فترتين، ثلاثة أيام فى الفترة الصباحية وثلاثة غيرها فى الفترة المسائية.. أنا شخصياً كنت أعشق الثلاثة أيام المسائية وأسعى إلى المدرسة فى جد ونشاط وحماس لا نظير لهما لسبب بسيط للغاية وهو أننا  تعلمنا متعة السهر طوال الليل ثم النوم طوال النهار من السعدنى، ولكن السعدنى اختلف عنا فى شىء بسيط وهو أنه اذا كان وراءه عمل  من أى نوع وأياً كانت درجة أهميته فإنه يواصل الليل بالنهار وينسى حكاية النوم من أجل إتمام عمله، وفى هذا العام حدثت عملية غربلة مقصودة تتم كل سنة للطلبة حتى لا تتكون  جماعات العصبجية فوجدت أصدقاء جدداً كانوا  جميعاً من المناطق الشعبية المجاورة للمدرسة، ومن بينهم برز ولد أشقر الشعر ملون العينين اسمه كامل محمد، كان أبوه شهيراً وكانت والدته جميلة اسمها سهير فخرى أصابت الشهرة ولم ندر سبباً لوجود مثل هكذا شخص بيننا.. فقد كان الطلبة ينظرون إليه وكأنهم يشاهدون أمراً عجباً.. ولم يتطور الأمر الا عندما صادقت أنا أخانا محمد وقربته الى باقى الزملاء واكتشفوا أن داخله إنساناً متواضعاً وطيبا وبسيطا وإن كان محمد حريصاً على الاقتراب من شخصى واختيارى صديقاً أتنيماً له.. وفى بيته وجدنا مكاناً يجمعنا لأخذ الدروس الخصوصية.. فقد كانت دروس الجبر فى غاية التعقيد أما العلوم فكانت أشبه بالألغاز، واللوغاريتمات.. أشياء لن نستخدمها فى الحياة ولن تمر علينا أو نمر عليها فى أى مناسبة ولكنها موجودة فقط فى المقررات، وعملية فهمها ليست ميسورة بل إنها فى حاجة الى أولاد من نوع أحمد زويل، لكى يكونوا علماء وعظماء فى دنيا العلم، وكان مدرس الحساب الجديد اسمه سمير فارع الطول  كأنه زرع ارتفع قبل موعده شديد الأناقة قوى البنيان فى عينيه ذكاء مشع ومكر أشد.. عندما وجد نفسه وسط الطلبة داخل الفصل أدرك ان مهمته سوف تكون عسيرة لو لم يحسمها من اليوم الأول، فقد كان الطلبة عبارة عن مجموعة مختلفة من الشباب صغار السن تظهر على بعضهم علامات القوة، وآخرون ظهرت عليهم بوادر الإجرام، والكل يطلقون شعر اللحية والشارب، لم يكن هناك أحد بلا لحية أو شارب سوى محمد صديقى الغنى هذا وشخصى الضعيف، بل إننا  كنا أضعف طالبين فى المدرسة وأقصرهم طولاً ولذلك فقد بدأ الأستاذ سمير أول درس له بضرب محمد علقة ساخنة أمام جميع الطلبة وكان يوقعه على قفاه فيقع على الأرض فيأخذه بيده ليضربه بالشلوت فيطير محمد في الهواء ليعاود السقوط.. وبعد هذا الفاصل من الطحن والعجن المتواصل فى  جسم محمد.. رفعه الأستاذ سمير من على الأرض وأطاح به على دكة أحد الزملاء ثم نظر فى وجوه الطلبة وكان ظاهراً للجميع أنه سوف يختار الضحية التالية، وبالطبع ارتفعت  دقات قلبى لدرجة أن زميلى فى الدكة سيد مغربى نظر الى وهو يقول.. «ياابنى انت حتموت كده والله العظيم أمك حتصوت عليك النهاردة.. أنت خايف كده ليه.. دول قلمين على شلوتين على كام بونية وترجع مكانك».. وقبل أن يكمل سيد كلامه كان الأستاذ سمير قد عكمه من قفاه وجرجره محملاً بالبونيات والشلاليت حيث ألقاه أمام السبورة.. فإذا بسيد يصرخ بأعلى صوته آه يا عينى يا أمه دماغى حأموت يا بيه.. فلم يكن مسموحاً أن تنادى المدرس بكلمة أستاذ ولكن اللقب الوحيد المسموح به هو بيه.. وأمسك البيه برأسه وضربه فى السبورة عدة مرات متعددة حتى كاد يغيب عن الوعى تماماً كما يفعل ضابط المباحث مع عتاة المجرمين وهو يقول.. فى درس الأستاذ سمير  مسموح لك بس انك تتنفس ولو سمعت صوت نفسك.. ح أشبحك.. وفجأة استدار ومد ذراعه وسبابته نحوى وهو يقول: تعال هنا.. فى تلك اللحظة أحسست أن قلبى توقف عن العمل  وأننى هالك لا محالة.. ولو  مد هذا الرجل المجنون قبضة يده نحوى فربما ألقى حتفى على الفور.. نظرت خلفى وقلت لنفسى ربما قصد أحداً غيرى ولكنه عاد فى لهجة حاسمة وشاتمة أيضاً ليقول: أنت يا...!! ثم أشار لى بسبابته لكي أحضر الى حيث يقف مع سيد المغربى.. وأنا فى الطريق تظاهر بأنه يهرش فى شعر رأسه ثم هوى بيده على صفحة وجه سيد المغربى، فإذا بسيد يصرخ كما الكلب الأجرب الذى يضربه العيال بالطوب فى حوارى الجيزة، وانتابتنى أحاسيس متناقضة وأنا فى طريقى للأستاذ سمير.. فصراخ سيد مغربى وتوسلاته للأستاذ بأن يرحمه، وصوته الذى أصبح مثل نباح الكلب أجبرنى على الضحك من الأعماق والرعب من الأستاذ سمير كاد يفتك بعضلة قلبى.. تباطأت خطواتى وثقلت وأنا فى الطريق الى الأستاذ سمير.. وعندما اقتربت منه تملكتنى رعشة وكان الرجل ينظر الىَّ من أعلى الى أسفل ثم يعود ليهرش فى شعر رأسه وسيد المغربى يحاول إخفاء وجهه بكلتا يديه فإذا بالأستاذ سمير يتحول الى لاعب كاراتيه  ويطير فى الهواء ليهوى على سيد بقدمه على رأسه..  ساعتها سقط سيد على الأرض وشهق شهقة مدوية وفرد يديه على الأرض وقطع شحن.. فلا صوت ولا حركة.. لقد مات سيد بالتأكيد بالتأكيد من شدة الخوف والرعب والضرب.. ولم تهتز شعرة فى رأس الأستاذ سمير فاذا به يختار اثنين من الطلبة هما رمضان المفتول العضلات وحسين فتوة الفصل وأقوى الطلبة.. ذهبا وانصاعا للأمر وكأنهما عساكر فى الأمن المركزى يتلقيان الأوامر من الضابط العظيم.. أمر الأستاذ سمير برفع سيد من على الأرض وإعادته ليجلس فى مكانه.. وتبين لى أن سيد زود العيار حبتين وأنه أدى دور الميت باقتدار حتى يدرأ عن نفسه هذا العقاب الذى بدا أنه ليس له نهاية على الإطلاق.. ثم استدار نحوى الأستاذ سمير وهو يقول.. أنت سُفيف ورقيق حبتين.. وقلم واحد من اللى كانوا فى العرض اللى فات حتركب الخشبة  وعلى المجاورين عدل.. ساعتها ضحك أحد الزملاء فنظر اليه الأستاذ سمير نظرة ادخلت الرعب فى قلبه.. وعاد الىَّ ليكمل.. أنا هنا كلامى أمر.. صوتى ما فيش صوت يعلى عليه.. اللى مش ح ينتبه للدرس ح أخليه عبرة للمدرسة كلها مش للفصل ده بس..  كل أسبوع عندى امتحان.. واللى أبوه راجل.. يغش م اللى جانبه.. واللى ح يسقط.. يبقى وقع فى شر أعماله.. لأنه كده بيقولى.. إنى  حمار.. مش عارف أدرس له.. وأشار الى الفصل كله قائلاً والتوراة والإنجيل والقرآن.. الكلام ده مش ح أكرره مرة تانية.. والراجل فيكم يكسر كلامى.. ثم نظر الى سيد المغربى وهو يقول.. الفيلم اللى عملته ده.. فاشل.. أنت بتتفرج على أفلام هندى يا واد!! فلم يجبه سيد مغربى وظل صامتاً.. ثم عاد الأستاذ سمير الى السبورة وأمسك بالطباشير وأخذ يشرح الدرس، كان من المعادلات الحسابية التى انتبهنا اليها كأننا سنصبح فى المستقبل من علماء الرياضيات وربما الفضاء أيضا.. فقد دخل علينا الأستاذ سمير دخلة مضبوطة واستطاع أن يسيطر على الفصل الدراسى بأكمله.. وبعد انتهاء الدرس لم يسمح لأحد منا بالخروج وقال.. سنأخذ الخمس دقائق الفسحة فى مواصلة الدرس.. فلم ينطق أحد بكلمة واحدة.. ولكن بعد مغادرة الفصل وقف حسين وهو يقول بأعلى صوته.. علي الطلاق آخر السنة لازم أعلمه وشه بعلامة مش ح ينسانى بيها طول العمر.. وقد أدهشنى حلفان حسين «علىَّ الطلاق» وظننت أنه بالفعل متزوج فشكله أكبر من الجميع وعضلاته بارزة بشكل مخيف وتبين انه يحمل بين طيات  ملابسه مطواة قرن غزال واقتربت منه قائلاً: وانت ح تعلمه إزاى يا حسين؟! فنظر الىَّ وهو يقول.. أستاذ حسين ياواد.. ثم أعقبها بضحك.. وهو يقول الله أنت خفت ولا إيه.. ولا أخفى عليكم أننى خفت منه بالفعل فقد أخرج المطواة وأخذ يلعب بها ولا اللمبى فى زمانه.. ثم أعاد القسم مرة أخرى وهو يقول وحياة أبوكم.. لأذوق ـ من التذويق ـ الأستاذ سمير.. وعلمت بعد ذلك أن عملية التذويق هذه هى عبارة عن إحداث علامة على جه الأستاذ بالمطواة القرن الغزال ولكن متى.. عند نهاية العام الدراسى.. وبالطبع كنت أشترى رضاء هذا الفتى المذوقاتى.. حتى لا يضعنى على قائمة التذويق، وكان يفتش فى شنطتى المدرسية كل يوم ويقوم بفحص السندويتشات التى كانت أمى تمضى طوال الليل لتصنعها لى ولأخوتى.. وكان حسين يقع اختياره دائماً على البسطرمة والجبنة الرومى وبعد أن ينتهى من تناولها يطلب منى قرش صاغ لكى يهضم بإزازة كازوزة ثم يسألنى كل يوم عن سر هذه اللحمة العجيبة «يقصد البسطرمة»، وعندما أذكر له أنها ليست لحمة وإنما  بسطرمة كان يشيح بيده وهو يقول: أنت ح تعمل فيها أستاذ وتهندس علىَّ.. ثم يقوم بإشعال سيجارة كليوباترا ويمنحنى أخرى ويأمرنى بأن أشربها فى الفصل حتى لا أكون جباناً أو خيخة مثل سيد المغربى وهو يقسم بأغلظ الأيمان انه لو  حتى جاء ناظر المدرسة بنفسه فسوف يرقعه علقة ساخنة لو اعترض على عملية التدخين.. ومع  حسين دخلت إلى عوالم لم أكن أعلم أنها موجودة من أساسه.. إنه عالم البطجة وفرض الإتاوات وتقسيم المناطق ذات الأهمية في فرض الإتاوات وقطع الشوارع فى عز النهار.. طبعاً داخل الحارات والأزقة.. وافتعال مشاجرات، صحيح انها متفق عليها ولكن لا مانع من أن تسيل الدماء أو يتم خلالها فتح دماغ أحدهم، أو  كسر ذراع آخر من أجل إحباك الدور.. وكان حسين لا يتورع عن فعل أى شىء من أجل الحصول على أموال.. وذات صباح  ونحن فى انتظار فتح أبواب المدرسة توقفت سيارة فارهة أمام المدرسة وتعطلت ونزل منها رجل يرتدى ملابس فخيمة وسأل عن أقرب ميكانيكى، فنزع حسين ملابسه وهو يقول للرجل «أى خدمة يا بيه؟».. وفتح حسين كبوت السيارة وأخذ يلعب فى كل الأسلاك وضرب البطارية بماسورة حديد ودخل وجلس امام عجلة القيادة وأدار المفتاح فلم تستجب السيارة فنزل تحت السيارة وأعاد الكرة مرة أخرى داخل الموتور وجلس خلف عجلة القيادة وأمر الطلبة بأن يدفعوا السيارة التى دارت بحسين الذى انطلق بدوره ومضى بعيداً حتى اختفى عن الأنظار وسط لهفة ولوعة صاحب السيارة الذى ظن أن حسين حرامى سيقوم بتقطيع سيارته السميكة والتى كانت من السيارات النادرة فى ذلك الوقت.. ولم يحضر حسين المدرسة فى ذلك اليوم وغاب لمدة ثلاثة أيام وعندما ظهر فى اليوم الرابع وجدنا علامات الثراء قد ظهرت عليه واكتشفنا انه باع الكاوتش وزجاج السيارة والبطارية والكاسيت وترك السيارة عند صحراء مدينة نصر، ويومها أقسم حسين ميت يمين أن يعزم عدداً من الزملاء على أكلة سمين عند الكومى أشهر بائعى السمين فى الجيزة.. وقد وقع اختيار  حسين على شخصى الضعيف لأكون ضمن ضيوفه وحتى تلك اللحظة لم أكن أعرف أن السقط بتاع الدبيحة يتحول الى طعام للبشر، وأكلت من السمين على وعد أن أزود حسين بالمزيد من سندويتشات اللحمة وكنت وأنا أتناول السمين أسأل حسين:  هل هذه العزومة من فلوس السيارة المسروقة.. وأجابنى بكل فخر٬ أمال  إيه.. وقلت لحسين: وده ما يبقاش حرام.. فرفع يده اليمين وأبرز عضلاته.. وهو يقول لى: كل اللى انت شايفه ده بلا قافية.. م الحرام.. ثم أمرنى بأن أواصل التهام الوليمة ففعلت وأنا أمنى النفس بأن تكون فى ذات يوم مجانص وعضلات أخينا حسين!.