رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لجوء العائلة المقدسة لمصر: عبرة لأولي الألباب

في الأول من يونيو من كل عام تحتفل الكنيسة المصرية بدخول العائلة المقدسة إلى مصر؛ وهي الرحلة التي يطلق عليها البعض هروب العائلة المقدسة إلى مصر. وكثيرًا ما عارضتُ أصدقاءً لي من الكهنة والقساوسة، الذين تعجب بعضهم من فلسفتي للرحلة، وأنا القبطي المسلم الذي يؤمن بالرسل كافة لا يفرق بين أحد من رسله.

تذكرت عندما كنت مدعوًا لندوة عامة منذ عام بشبين الكوم، ومررت على مطرانية المنوفية ليستقبلني نيافة الأنبا بنيامين (مطران المنوفية) استقبالاً لائقًا، وخاطبني القمص بولا يعقوب قائلاً: د. طارق مش هتصلي المغرب جماعة؟ حيث كانت صلاة المغرب تؤدى جماعة داخل رواق من أروقة المطرانية.

توجهنا جميعًا لمقر الندوة، وانصب حديثي عن البركة التي حلت بأرض مصر وجعلت من مصر أرضًا مباركة، ووجهت حديثي للقسوس والكهنة قائلاً، فضلاً لا تستخدموا عبارة هروب العائلة المقدسة إلى مصر والأوقع أن نقول "لجوء العائلة المقدسة إلى مصر"...وتلكم القصة!

كان الملك هيرودوس يتتبع الطفل يسوع بسبب سؤال المجوس: "أين المولود ملك اليهود فإننا رأينا نجمه في المشرق واتينا لنسجد له (متى2:2) .وهنا اضطرب هيرودس الملك وكل أورشليم معه. وإذ أوصى المجوس أن يبحثوا بالتدقيق عن الصبي ومتى وجدوه يخبرونه لكي يذهب ويسجد له أيضًا. ولكن أُوحى للمجوس في حلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس، فانصرفوا إلى طريق أخرى في كورتهم. وحينئذ لما رأى هيرودس أن المجوس سخروا به، غضب جدًا ، فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس" (متى 2، 7:17)

وهكذا، بادر بقتل الأطفال جميعًا، وكان السيد المسيح قد رأى النور وقتها بمولده الخارق للناموس، وأصبح حديثًا للقاصي والداني...وهنا خافت عليه أمه العذراء مريم عليها السلام، فلم يزل الطفل في المهد صبيًا. وهنا تجلى الأمر الإلهي أن "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"، وإذا كانت للعائلة المقدسة مسألة عند الله عز وجل فهي الأمن والأمان للطفل يسوع، وكما سبق وقال الله عز وجل لبني إسرائيل "اهبطوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ" فإن الأمر الإلهي نفسه تكرر مع العائلة المقدسة؛ التي خرجت من بيت لحم ليلاً، ومضى الركب بهدوء ليدخل أرض مصر بسلام عبر طريق الفرما الساحلي، (الطريق الساحلي الدولي الآن).

وتتجلى عبقرية الزمان على أرض مصر، فتتحرك العائلة المقدسة في ربوع مصر وقراها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها. ويبقى السؤال: أكانت صدفة أن تجوب العائلة المقدسة ربوع مصر عبر سنوات أربع إلا قليلاً؟ لو كانت تلك العائلة هاربة أكانت تتحرك هنا وهناك؟ كلا، إنها مصر الأمن والأمان، مصر التي ميزها الله عن بقية المعمورة بأن جعلها أرض الأنبياء، وهو ما كانت تدركه جيداً العائلة المقدسة؛ وزادها بركة بخطى السيد المسيح على أرضها، لتصبح مصر المباركة محروسة دوماً بعين الله، فهي من حمت رسول المحبة والسلام، حيث قال القرآن الكريم: "وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا".

ونقف قليلاً عند أهل مصر: ألم يفكر يومًا ما أحدهم أن يبلغ القادة الرومان في مصر عن العائلة- التي من ملامح أفرادها- غرباء عن مصر؟ لم يحدث، بل العكس هو ما كان، فالمصريون أبناء هذا البلد المبارك من ساعدوهم وآووهم وأخفوهم عن أعين الرومان عبر سنوات أربع إلا قليلاً، وكان واجبًا عليهم أن يفعلوا ذلك ليس فقط بحكم طبائعهم اللينة العريكة وشهامتهم، بل لكرههم للرومان أيضًا، الذين كانوا يذيقونهم ألوان الذل والهوان. ولهذا، كرم الله بلادهم بأن جعل السيد المسيح يجوب ربوعها جميعاً، ويرد الجميل للمصريين بأن يجعل أرضهم أرضاً مباركة بتوكيد القرآن الكريم حين يقول عن السيد المسيح: "وَجَعَلني مُباركًا أَيْنما كُنتُ"... حقا "مُبَارَكْ شَعبِي مِصر"،  وتلك هي العبرة يا أولي الألباب.

------------

كاتب وأستاذ أكاديمي