رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحو المستقبل

متى نتخلص من شيوع ثقافة التخلف؟

إن الانطلاق لصنع مستقبل أفضل هو شاغلنا الشاغل الآن فى كل مناحي الحياة، لكن علينا أن نعي أن أمورا كثيرة تقف عائقاً أمام ذلك، وعلى رأسها مانراه من مظاهر التخلف وشيوعها فى المجتمع؛ فمجتمعنا يئن تحت وطأة شيوع ثقافة التخلف بكل قيمها السلبية، فأفراده فى معظمهم يعيشون صباح – مساء ثقافة «الأنا مالية» واللامبالاة، الوصولية والمحسوبية، الرشاوى و الفساد المالى والإداري بكل صوره، وهذه القيم السلبية هى نتيجة طبيعية لمجتمع غاب عن أفراده عناصر الثقافة العلمية التى هى أساس ما أسميه دائماً «ثقافة التقدم» تلك الثقافة التى تكسب أفرادها الموضوعية فى القول و الفعل، تحكيم العقل فى كل ما يصدر عنهم من أحكام ومواقف، الشفافية فى الإعلان عن الرأى وفى كل ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال، التخطيط العلمى الجيد لكل جوانب الحياة عملية كانت أو علمية، الإدارة بالأهداف التى تعنى تفعيل التخطيط العلمى فى مجال الإدارة، فلا يدير أحدهم مصنعاً أو حتى مؤسسة علمية، أو تربوية أو غير هذه و تلك إلا فى ضوء خطة عمل تحدد أهدافاً بعيدة وقريبة المدى وتحدد آليات دقيقة لتحقيق هذه الأهداف بصورة ترضى عنها معايير الأداء الجيد والمنتج الذى تتوفر فيه كل مواصفات الجودة والإتقان.

ويخطئ من يظن أن مناشدتنا الآن بضرورة التحول من ثقافة التخلف بقيمها السلبية إلى ثقافة الجودة والتقدم بقيمها الإيجابية الفعالة، هو حديث وليد اللحظة، أو هو جديد على مجتمعنا تأثراً بالنزعة السائدة الآن فى كل أنحاء العالم النامى بضرورة تطبيق معايير الجودة حتى نضمن الاعتماد لمنتجاتنا فى كل مجالات الحياة ! فالحقيقة أن المجتمع المصرى فى كل فترات ازدهاره كانت تسود بين أفراده الثقافة العلمية بقيمها الداعية إلى التقدم والإتقان، وليس أدل على ذلك من النظر إلى تاريخ المجتمع المصرى منذ التاريخ المصرى القديم، فقد وضع الإنسان المصرى القديم العلماء فى أعلى مكانة باعتبارهم صناع التقدم، فهذا هو إخناتون الملك المصرى الذى حكم مصر فى حوالى القرن الرابع عشر قبل الميلاد يقول فى بردياته التى اكتشفت فى تل العمارنة: «إن العلم هو أول أركان الإيمان بالخالق، لقنه الله للإنسان بالخط والقلم، وعن طريق المعرفة بالقراءة و الكتابة يتفتح عقل الإنسان لتقبل علوم المعرفة المقدسة

وينفتح قلبه للإيمان بالخالق كما يقول أيضاً: «إذا أردت أن تورث ابنك ميراثاً لا يفنى فورثه العلم، فالعلم هو الثروة التى تزداد كلما أخذت منها، و لا تورثه المال، فالمال هو الثروة التى تنقص كلما أخذ منها».

و لتقارن ما يقوله إخناتون منذ ذلك الأمد القديم بما كان يفعله حكام العالم الإسلامى حينما كانوا يزنون الكتب العلمية المترجمة إلى العربية ذهباً ويعطوه لمن ترجمها ولو كان أعجمياً غير مسلم! ولتقارن بعد ذلك هذا وذاك بما نراه فى مجتمعنا المصرى الآن من تدنٍ لمكانة العلماء والعلم، ومن تفشى ظواهر الخرافة والعرافة، ومن تدنٍ لمكانة اللغة القومية فى نظر أبنائها لدرجة إحجامهم الآن عن تعلمها وجعلها فى المرتبة الثانية فى تعليم العلوم. إن كل ذلك يعد فى اعتقادى من مظاهر ثقافة التخلف التى يعانى منها مجتمعنا دون إرادة من معظم أفراده وهم الغالبية، لأن المسئول الأول عن شيوع ثقافة التخلف وتدنى مكانة العلم والعلماء ومكانة اللغة العربية القومية إنما هم «النخبة» فى هذا المجتمع سواء كانوا النخبة المثقفة أو النخبة العلمية أو النخبة السياسية فهم جميعاً مسئولون عن هذا التدنى لمكانة الكاتب والعالم والمثقف.. الخ، مسئولون عن شيوع ثقافة التخلف بين أهلهم لأنهم لم يحرصوا على الحفاظ على كرامة الفكر والعلم والأدب الرفيع ممثلاً فى أشخاصهم، كما لم يدركوا أهمية أن ينقلوا العلوم التى تعلموها بأى لغة حديثة كانت إلى لغتهم حتى يشيع العلم وثقافته بين تلاميذهم وذويهم.

إن النخبة هى المسئول الأول عن شيوع ثقافة التخلف لأنها لم تعمل منذ فترة على الأخذ بأسباب وقيم ثقافة التقدم وتناست فى غمرة البحث وتحقيق مصالحها الآنية، تناست أن المثقف والعالم والمفكر والكاتب إنما هو ضمير الأمة وهو صاحب رسالة تنويرية فى تثقيف مواطنيه وحثهم على التمسك بكل قيم التقدم العلمى.