رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوراق مسافرة

قبل أن يزداد المجانين!

كنت أسير على بعد خطوات منه، الشمس حارقة، الصيام يزيد جفاف الحلوق ولهاث الأنفاس، قائدو التاكسيات يلوذون بالفرار كلما ذكرت اسم «نقابة الصحفيين» والتى اضطررت لاستبدالها لاحقاً بأسماء أماكن أخرى قريبة منها عسى أن يقع سائق فى الفخ ويقلنى لهناك لتجديد بطاقتى، وهى إحدى الخدمات التى أشكر نقابتنا الموقرة عليها لأنها حمتنا عبرها من مهانة وذل استخراجها من أقسام الشرطة، فى مثل هذه المهام.. أترك بعيداً سيارتى فى مكان آمن  لعدم وجود أى مكان «أركن» فيه بمحيط النقابة فى هذا الوقت الحرج، وأستقل تاكسى أرحم  من المترو بعد رفع تذكرته.. ووجدتنى أمشى طويلاً وهذا الرجل النحيل أمامى يسير بمفرده وهو يواصل السباب، كانت ملابسه شبه المهندمة تتناقض مع رأسه المهوش وذقنه التى يبدو إهمالها  منذ أيام.

اعتقدت لأول وهلة أنه يحادث أحداً من خلال سماعة هاتف، فيديه كانت خالية، وكان «يشوح» بهما فى الهواء وكأنه يسدد لكمات لشىء مجهول يراه هو وحده، وجدتنى رغماً عنى أنصت: بنت «الكلب» فاكرانى حرامى، ماتغور فى داهية هى وأولادها، والله مانا راجع.. ورينى بقى بروح أمك هتعملى إيه...

يصمت برهة لالتقاط أنفاسه تحت شمس لم تكن رحيمة، ويواصل: «مانا قلتله سيبك من العلام والواد ابن.....«تييييت» مسكه فى الورشة ونفخه، وحياة أمه ما هسيبه.....

يصمت ثم يواصل.. أغسلها الكلية هههه، دنا أبيعها أحسن، بنت......الـ«تيييت» ماسكة فى أم الحلق مش عايزه تبيعه هاقطعها.. هاقطع ودنها...و...!

أنقذنى سائق تاكسى من مواصلة استماعي لقصة متناثرة مهلهلة.. مضمونها أن هذا الرجل «لسع» من ضغوط الحياة.. من الفقر، وتلقفنى سائق التاكسى بدوره ليكمل القصة.. بلا أى مقدمات وجدته يسحب ورقة من «شماسة» السيارة  مدون عليها بخط اليد صفاً من قطع الغيار، وبدأ معزوفة الألم والتسول «تصدقى يا مدام العربية لسة عامل لها شغلانه بست آلاف جنيه وما كملتش كام يوم راحت خربانة، ورحت للميكانيكى.. قالى لازم أغير كل قطع الغيار دى، بحسبة سبعتاشر ألف، أجيب منين، دى لو عطلت حالى كله وقف.. عارفة دى فتحالى تلت بيوت، بيتى وبيت أمى وأختى المطلقة بأولادها التلاثة، والحال زى مانت شايفة نار.. والله نار.. ألا هم صحيح هيغلوا البنزين، ولا إيه...

فضلت الرد باقتضاب.. فوصلته رسالة رغبتى فى عدم الحوار وعدم إفراغ جيبى فى هذا الوقت الحرج من نهاية الشهر.

السائرون فى الشوارع.. فى المواصلات العامة من البسطاء والفقراء لا حديث لهم سوى الغلاء والفقر والحاجه.. طلعوا ما تحت البلاط.. وباعوا البلاطة.. من لا يجد من يشكو له ويفضفض يتحول إلى  نفسه فيكلمها ويصرخ فيها.. إنهم يصلون إلى حد الهذيان.. الجنون.. المجانين سيزدادون فى شوارعنا.. انفلات الأعصاب بلغ الذروة.. بجانب اللعنات والدعاء.. شهادة فقر للفقراء هى الحل لإنقاذهم من الجنون الذى يسيرون إليه جماعات.. شهادة أو بطاقة فقر يتم بموجبها تخفيض أسعار السلع والخدمات والفواتير وكل ما يحتاجونه فى الحياة هو الحل.. يا حكومة يا ناس.. يا مسئولين.. والروشتة لهذه البطاقة سأقدمها الأسبوع القادم.

[email protected]