رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

«الوليمة الكبرى».. فى سوريا

«إعادة إعمار سوريا» تلك الوليمة الكبرى التى يتسابق القاصى والدانى لالتهامها؛ والحصول على أكبر قطعة من تورتة البناء والتعمير التى اعتاد مصاصو دماء الشعوب الالتفاف حولها ووضع سكاكينهم فى قلب شعوبها لارتشاف أرباحها المحتملة؛ خاصة أن «إعادة البنية التحتية سيتكلف 400 مليار دولار على الأقل، ويلزم لهذا وقت من 10 إلى 15 عاما».

الجميع  يتسابق للحصول على حظه من  تلك الوليمة الدسمة، ولكنها كالمعتاد ستذهب إلى تجار الحروب الذين أشعلوها ورقصوا على جثث ضحاياها لينالوا فى النهاية مآربهم ويحققوا ما صبوا إليه؛ خاصة أن براجماتية مكونات الصراع بدأت تدب خطاها سائرة على دروب أشلاء مدنٍ منهكة، وحجزت مكاناً لها قبل الآخرين، حيث تضمن الأنقاض المهدّمة ربحيّةً عالية لرأس المال الموظف فى إعادة تشييدها. فالسيطرة على الأرض تعنى السيطرة على الاستثمار وعلى أرباحه، والعاقبة على ما يبدو دائماً للمنتفعين.

والسؤال هل نحن فى طريقنا الآن إلى «خطة مارشال السورية» التى تناولتها من قبل مقالة نشرتها مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية وتمحورت حول تكرار الوصفة التى أعادت إعمار القارة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية بقروضٍ أمريكية. ووفق ذلك يكون مشروع إعادة الإعمار هنا مموّلاً من قبل حلفاء السلطة السورية، الروس والإيرانيين والصينيين؛ لذلك لم يكن غريباً ما صرح به سابقاً ألكسندر لافرينتييف مبعوث الرئيس الروسى لسوريا، من أن عملية إعادة إعمار سوريا بعد الحرب لا مفر منها وستستمر حتى مع نقص التمويل. وإن العديد من الدول مستعدة لدعم عودة سوريا إلى طبيعتها.

وبالطبع إن ما يُدفع فى السياسة يُصرف من الاقتصاد، فروسيا لن تكتفى فقط بعقود التنقيب عن النفط والغاز فى الساحل السورى التى بلغت قيمتها الأولية أكثر من 90 مليون دولار، وإيران بعقود توريد الأسمنت إلى مشاريع إعادة الإعمار، باعتبارها رابع أكبر دولة تصنّع الأسمنت فى العالم، وتنتج منه نحو 70 مليون طن سنوياً. كلتا الدولتين تتفحصان حصّتهما من المشاريع العقارية لإعادة تعمير المناطق المهدّمة. وترجَّح أسماء شركات ستلعب دوراً أساسيّاً فى الإعمار، من بينها الشركات الإيرانية؛ ويرى البعض بأن استخدام شركات عقارية يملكها سوريون فى الخليج قد يكون غطاء لرأس المال الإيرانى أو الروسي. إلى جانب دولٌ أخرى تدعم المعارضة السورية مثل قطر والسعودية وتركيا سيكون صعباً عليها قبول الاستئثار الإيرانى والروسى بالمشروع الأضخم فى المنطقة.

الغريب أن أمريكا التى لم تغسل يدها حتى الآن من الخراب السورى قام رئيسها دونالد ترامب بتجميد أكثر من 200 مليون دولار مخصصة لإعادة إعمار سوريا، وذلك بعد إعلانه أن بلاده ستنسحب «قريباً جداً» من البلد الغارق منذ سبع سنوات فى حرب مدمرة؛ والأعجب أنه عبر عن أسفه لما اعتبره تبديد واشنطن سبعة تريليونات دولار فى حروب الشرق الأوسط. تلك الحروب التى أشعلتها أمريكا من أجل بيع الراكد من أسلحتها؛ وإعادة تدوير مصانع الأسلحة بها!

واستكمالاً لتلك المهزلة وافق مجلس النواب الأمريكى على مشروع قانون يحظر تقديم أى مساعدة فى إعادة إعمار المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام السورى؛ معللاً ذلك بأن سياسة أمريكا تنص على أن المساعدة المقدمة لإعادة الإعمار واستقرار سوريا ستستخدم فى «سوريا الديمقراطية»، أو فى المناطق السورية التى لا تسيطر عليها قوات الأسد أو القوى المرتبطة بها (الميليشيات الإيرانية). كل هذا يؤكد أن سوريا ما زال الطامحون فى نهبها كثراً بل ووصل الأمر إلى حد إملاء الشروط قبل ابتلاعها؛ لتتحول عملية الإعمار إلى مبارزة فعلية وضرب تحت الأحزمة من القوى المتصارعة على تورتة الإعمار.