رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عرش الدولار يترنح

 

 

عند نهاية الحرب العالمية الثانية خرجت أمريكا من الحرب كأول وأقوى دولة عظمى فى العالم عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وكانت الدولة العظمى الوحيدة التى لم تعان مدنها دماراً، إذ لم تجر معارك على أرضها باستثناء الهجوم اليابانى على بيرل هاربر الذى أغرق جزءاً كبيراً من الأسطول الأمريكى ودفع بأمريكا إلى الحرب الشاملة، ولكن بيرل هاربر بجزر هاواى كانت بعيدة عن القارة الأمريكية، أما الدول العظمى الأخرى التى خرجت من الحرب منتصرة وهى روسيا «الاتحاد السوفيتى فيما بعد» وبريطانيا والصين وفرنسا فقد عانت خلال الحرب خسائر فادحة ودمارا هائلا للكثير من مدنها ومصانعها، لذلك كان طبيعيا أن تكون أمريكا فى المقدمة والمساعدة فى إعادة إعمار الدول الغربية الحليفة لها، وأصبح الدولار العملة الدولية التى تقيم بها كل شىء، وضمنت أمريكا الدولار بآلاف الأطنان من الذهب كغطاء له أودع بقلعة فورت نوكس وربط الدولار بالذهب على أساس 35 دولاراً للأوقية يجرى التحويل منه وإليه فى أى وقت بضمان الحكومة الأمريكية وقبول كل دول العالم.

وعندما بدأت الدائرة تدور على الاقتصاد الأمريكى نتيجة حرب فيتنام التى استمرت بالنسبة لأمريكا من سنة 1956 حتى 1975 بدأ الاقتصاد الأمريكى ينزف نتيجة تكلفة الحرب الهائلة، وبدأت أمريكا بيع الذهب المخزون فى فورت نوكس لسداد ديونها، ثم فاجأت العالم سنة 1971 بإعلان فصل الدولار عن غطائه الذهبى فلم يعد هناك سعر ربط بينهما، وقامت أمريكا بأكبر عملية نصب ونهب لثروات العالم وخاصة دول البترول الخليجية فطبعت ملايين لا تحصى من الدولارات الورقية دون أى رصيد، وأعلنت أنها ستستمر فى شراء البترول عصب حياتها العسكرية والاقتصادية بهذا الدولار الورقى وأن أى دول تمتنع عن قبول الدولار الورقى سداداً للبترول تكون بمثابة عدو يعلن الحرب على أمريكا ولم تجرؤ دولة بترولية واحدة على تحدى أمريكا فى ذلك.

وعندما دار الزمان دورته وزاد حال أمريكا تراجعاً نتيجة خسائرها الهائلة فى حرب أفغانستان سنة 2001 والعراق سنة 2003 اللتين ما زالتا مستمرتين للآن عمليا لم تعد أمريكا القطب الأوحد فى العالم كما كانت بعد انهيار الاتحاد السوفيتى سنة 1991 وبدأت دول كبرى أخرى تزاحم أمريكا على الانفراد بالقطبية، وكان أخطر محور مواجه لأمريكا هو ما يعرف بدول البركس «اختصار البرازيل / روسيا/ الصين/ الهند/ جنوب أفريقيا» الذى تقوده وتتصدره الصين وروسيا، وبدأ هذا المحور سريعاً العمل ليصبح القوة الاقتصادية العظمى الثانية فى العالم تمهيداً ليكون القوة الأولى، وبدأ يعد الكيانات اللازمة للانفصال عن صندوق النقد الدولى وتوابعه التى تسيطر عليها أمريكا، والعمل على إنشاء مؤسسات مالية أخرى لحساب دول البركس ستؤدى عندما تستقر إلى إسقاط عرش الدولار تماما ومعه أمريكا عملياً.

وقد نشر الكاتب الأمريكى الشهير وليام إنجدال مقالاً مطولاً بتاريخ 13 سبتمبر سنة 2017 وضع فيه خبرته وشهرته العالمية ككاتب اقتصادى متعمق عنوانه: «علينا أن نأخذ بجدية التحدى الصينى الروسى الأخير للدولار».

وسنعرض على صفحات «الوفد» مسلسلاً هذا التحليل العميق لإنجدال:

يقول إنجدال إن حى المال فى أمريكا وولستريت وواشنطن ليسا مسرورين بما يحدث ولكنهما عاجزان عن إيقاف حدوثه.

إن اتفاقية بريتون وودز الموقعة سنة 1944 لانشاء نظام نقدى دولى كما تطورت حالياً قد أصبحت - بصراحة - أكبر مانع ضد السلام والازدهار فى العالم.

فالصين الآن التى تزداد مساندة روسيا لها «القوتان العظيمتان فى أوراسيا» تأخذان خطوات حاسمة لخلق بديل قوى جداً لطغيان أمريكا ودولارها على التجارة والمال الدوليين، إن حى المال وواشنطن ليسا سعيدين بذلك ولكن لا قدرة لهما فى إيقافه.

فقبل نهاية الحرب العالمية الثانية فإن حكومة أمريكا عملاً بنصيحة البنوك العالمية الرئيسية لها وضعت مسودة اعتقد الكثيرون خطأ أنه نظام نقدى جديد مبنى على الغطاء الذهبى للعملة.

والواقع أنه كان نظاماً دولارياً فيه كل عملات أعضائه فى صندوق النقد الدولى تحدد قيمة كل عملة بثبات ثم تحددها بالنسبة للذهب بقيمة 1/35 من أوقية الذهب، وفى ذلك الوقت كان فى إمكان واشنطن وحى المال وول ستريت فرض هذا النظام، حيث أن الاحتياطى الفيدرالى كان يحتفظ بحوالى 75٪ من كل الذهب المغطى للعملات فى العالم، نتيجة للحرب والتطورات التى سببتها. أنشأت بريتون وودز الدولار الذى أصبح العملة الاحتياطية للتجارة العالمية التى تحتفظ بها البنوك المركزية.

سكرات الموت للدولار المعيب كنظام:

بنهاية حقبة ستينات القرن العشرين والعجز الشديد فى الميزانية الفيدرالية الأمريكية، نتيجة تكلفة حرب فيتنام ومصروفات أخرى غبية، بدأت قاعدة الدولار تظهر فيها آثار العجز المؤسسى، وكان غرب أوروبا واليابان لم يعودا فى حاجة إلى بلايين الدولارات لتمويل إعادة الإعمار، وأصبحت كل من ألمانيا واليابان ذات اقتصاديات تصديرية ذات كفاءة عالية تفوق كفاءة أمريكا الصناعية نتيجة تقادم الآلات الصناعية الأمريكية من الصلب للسيارات والبنية التحتية، كان واجباً على أمريكا فى هذه الحالة خفض قيمة الدولار بالنسبة إلى الذهب لتصحيح ميزان المدفوعات الدولى، ولكن بنوك وولستريت كانت ستخسر من ذلك كثيراً لذلك فبدلاً من خفض قيمة الدولار قامت إدارة جونسون وبعدها إدارة نيكسون بطبع دولارات ورقية إضافية وبذلك صدرت التضخم للعالم.

وإلى الحلقة التالية.

 

الرئيسى الشرفى لحزب الوفد