رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

محمد صلاح...فرعون يعيد الأمجاد

 

تحدث إلىَّ أحد طلابي قائلًا: هتشوف الماتش النهارده؟ أجبت: ماتش إيه؟ قال: روما وليفربول، ده أنا بأموت في محمد صلاح. وما أن عدت إلى منزلي حتى وجدته قد أرسل لي عدة مقاطع فيديو عن محمد صلاح. وأخذت في رؤيتها وتحليلها بدقة، لأجد نفسي واقفًا أمام ظاهرة كروية عالمية! وسألت نفسي: لم أسمع عن هذا اللاعب من قبل ضمن الفرق المصرية؟ هل أصبح سمعي ثقيلًا لدرجة أن العمر توقف بي عند شطة وزيزو والخطيب وحسن شحاته؟ بالطبع لا، فقد شاهدت لاعبين متميزين كأحمد حسن وكهربا وجدو وميدو وغيرهم. إذاً، لماذا لم يرق هؤلاء اللاعبين إلى منصة مو صلاح، كما يسميه الجمهور الإنجليزي؟

أعود لمقاطع الفيديو السابقة...في أحد هذه الفيديوهات محمد صلاح ضيف على إحدى القنوات البريطانية، لا ليتحدث عن أمجاده ولا ليهاجم بفجاجة زملائه أو ليقدم نفسه كخبير استراتيجي في العلوم الكروية، بل ليداعب ويلاعب مجموعة من الأطفال الإنجليز الذين علق إسم مو صلاح بعقولهم وتمنوا رؤيته، فإذا به يخرج عليهم فجأة من وراء حائط ورقي ليلاطفهم ويقبلهم ويصافحهم، من الآخر جاء ليدخل البهجة-بلا مقابل- على نفوس محبيه، الذين عشقوه لأنه صنع لهم مجدًا كان بعيدًا عنهم.

المشهد الثاني مجموعة من المشجعين الإنجليز كانوا يقولون بالإنجليزية Mo Salah, Mo Salah, the Egyptian King…etc ولكم سعدت وشعرت أن الفراعنة قاموا من رقادهم وعادوا إلى الحياة على أيدي محمد صلاح، وعلى أرض من استعمرونا يومًا ما...لقد استحق محمد صلاح أن يداعبه أحد المعلقين الرياضيين الإنجليز قائلًا له: إنك استعمرت كل قلوب الإنجليز، وكأنك تأخذ بحق بلادك عندما استعمرتها بريطانيا. ويمضي المشهد الثاني ليكمل المشجعين غنائهم قائلين "لو كان هذا هو الإسلام الذي سيجلب لنا النصر فسنكون مسلمين لأجل مو صلاح، الملك المصري".

أخذت في تتبع مسيرة محمد صلاح الرياضية، وسلوكياته مع الجماهير، ورقي أخلاقه، ووفائه لقريته، وتوازنه النفسي، والتزامه الذي يخلو من التزمت أو"الهنكرة" بطريقة شحاته أبو كف، وكيف أنه بيتوتي يؤثر الحياة الأسرية على فضاء المشاهير الصاخب. وكانت المفاجأة الكبرى لي، أن محمد صلاح-الموهوب- لم يكن من نجوم الصف الأول ، قبل أن يخرج من مصر، بل واجه عنتًا من ناديه آنذاك، ولم ير مدربه آنذاك أنه فلتة كروية، تستحق الرعاية.

هنا، وجدت نفسي أقف متسائلًا، وسؤالي لوزير الشباب والرياضة، ولرؤساء الأندية الحنجوريين: من الذي صنع النجم العالمي محمد صلاح؟ وبعيدًا عن الدبلوماسية، أرفض أن يقول أي مسؤول "نحن"؛ لأني سأردف القول سائلًا إياه: ومن الذي صنع أحمد زويل وعمر الشريف وفاروق الباز وهاني عازر، وغيرهم؟ دعونا نعترف أن صناعة النجوم لها أصول علمية ومهنية، إضافة إلى الموهبة؛ ولها مؤسسات أكاديمية رفيعة المستوى، تصرف بسخاء على النابغين، وليست بالفهلوة أو الشللية والمحسوبية، المتجذرة في الثقافة المصرية.

بالأمس القريب، عندما اكتشفنا أن هناك عالم اسمه أحمد زويل-رحمه الله- حصل على جائزة نوبل في الفيزياء، خرج من قال أنه ابن مصر البار، الذي درس وتخرج من جامعاتنا...وتبارينا للإقرار بنسبه، وتسابقنا في منحه الدكتوراة الفخرية (بعد نوبل)، وجوائز الدولة الرفيعة، واعتبرناه المخلص الذي ننتظره ليمنحنا قبلة الحياة...وتعامل الرجل معنا بشياكة وبعقلية تنم عن رقي النبلاء، وأعلن –من باب الوفاء لمصر- عن خطة مقترحة للنهوض بالبحث العلمي وإنشاء جامعة زويل، التي كان استقبالنا لها بخناقة على الأرض والمنشآت مع إحدى المؤسسات التعليمية الخاصة، المدعومة من بعض قيادات العصر البائد ... الأمثلة كثيرة على علماء وأبطال مصريين صنعوا مجدهم بأنفسهم وبعرقهم وكفاحهم.

أعود لسؤالي الذي طرحته سابقًا: من الذي صنع فرعون الأمجاد، الذي أصبح ثروة عالمية، وملكًا للعالم الآن وليس لمصر؟ يؤسفني الإجابة بأن محمد صلاح هو من صنع مجده بنفسه، بالعلم والعرق والمثابرة والإلتزام والصبر على الشدائد، وليس مؤسسة رياضية مصرية متخصصة تعكف على بناء الأبطال. ما أود قوله في ختام مقالي، " حتى وإن كانت البذور مصرية، فلن تنبت وتثمر إلا بمناخ صحي وماء كاف". لقد آن الآوان أن يكون لدينا أكاديمية رياضية عالمية تتبع وزارة الشباب والرياضة، تستقدم الخبراء المشهود لهم دوليًا لا للعمل بل لمتابعة المشهد الرياضي في مصر لالتقاط النابغين في كافة الألعاب الجماعية والفردية، من الأصحاء وأصحاب القدرات الخاصة، بعيداً عن الشللية والمحسوبية والضغائن والأحقاد، ليأتي دور الإعداد المصري والصرف بسخاء عليهم، وإذا تعذر الصرف بسخاء فلا بأس من الشراكة مع مؤسسات عالمية لبناء هؤلاء الأبطال، لينتقل اللاعب في هذه الأكاديمية من مرحلة الإعداء إلى مرحلة الإحتراف على أيدي خبراء عالميين؛ مع شيء من التسويق الإعلامي المتخصص. ووقتها سنقول أننا نحن من صنعنا هؤلاء الأبطال.

كاتب وأستاذ أكاديمي