رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحو المستقبل

متى تكون إنساناً عصرياً؟!

قال المفكر العراقى السريانى القديم يحيى بن عدى الذى عاش فى القرن العاشر الميلادى (894- 965م) فى كتابه «تهذيب الأخلاق»: «إن أبعد الناس عن التمام من رضى لنفسه بالنقصان»، ومن المعروف أن أى نهضة أو تحديث إنما يصنعه الإنسان، وإذا لم يكن الإنسان قادراً على التفاعل مع قيم العصر الذى يعيش فيه ومدركاً لآليات التطوير الشائعة فيه فلا تطوير ولا تحديث! ولعلنا فى ضوء هذه الحقيقة ندرك لماذا توضع الكثير من الخطط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للتحديث التى تكفل النهوض بالمجتمع ومع ذلك تواجه حين التطبيق الفشل تلو الفشل!! فهى تفشل ببساطه لأن الإنسان الذى يتلقاها ليس إنسانا عصريا يقبل التغيير والتحديث!

لقد شغل علماء الاجتماع المعاصرون بوضع سمات «الإنسان العصرى» القادر على صنع الفارق فى نقل مجتمعه من حال التخلف والجمود إلى حال النهضة والتحديث، ومن هؤلاء إلكس انكلز الذى حدد فى كتابه «تحديث الإنسان» اثنى عشر ملمحاً للإنسان العصرى، أهمها أنه يكون لديه الاستعداد والرغبة فى قبول الخبرات والأفكار والأعمال الجديدة التى لم يشهدها من قبل، وثانيها أنه يتقبل إصلاح المجتمع وتغييره بهمة وسرور، ويرتبط بذلك أن الإنسان العصرى يتميز باتساع الأفق وتسلسل الأفكار والعقلية المتفتحة والرغبة فى الحوار وتقبل الآراء المختلفة دون ضيق، إنه الإنسان الذى يهتم بعنصر الوقت وينظر للمستقبل من خلال الحاضر دون التمسك بالتقاليد البالية والماضى التليد، ومن فهو يكون مفعماً بالثقة والقدرة على التخطيط للمستقبل القريب والبعيد سواء فى حياته الخاصة أو العامة، وبالطبع فهو يخطط من خلال «المعرفة» والكشف عن حقائق الأمور وأبعادها المختلفة، وهو يستخدم فى ذلك قدراته العقلية مع امتلاك كل تقنيات العصر المتاحة فى عصره، إنه الإنسان الذى يحترم ذاته ويتبادل الاحترام مع الآخرين ويدرك أن هذا الاحترام المتبادل أساس التعاون بين الجميع للوصول إلى أقصى درجة من درجات  الإنتاجية فى العمل، إنه الإنسان المقدام المغامر الذى يرغب فى اقتحام كل جديد دون أن يقلل ذلك من احترامه للتقاليد الراسخة.

ويتفق علماء النفس مع علماء الاجتماع فى تقرير نفس هذه الملامح للإنسان العصرى، فها هو عالم النفس الأمريكى روجرس يحدد ملامح إنسان المستقبل العصرى بأنه صاحب الأسلوب المنفتح الذى ينفتح على العالمين الداخلى والخارجى ولا يضيره تجريب الجديد وهو شديد الإخلاص ويرفض التزييف والخداع ويستخدم أسلوب الشك فيما تقدمه العلوم والتكنولوجيا وخاصة ما يتعلق منها بقهر الطبيعة والبشرية جمعاء.

إن السعى إلى مستقبل أفضل لا يكون إلا عبر هذا «الإنسان العصرى» الذى يعتمد على عقليته المنفتحة المبدعة، المشاركة للآخرين فى أحلامهم وطموحاتهم بإخلاص وجدية، فالذين يصنعون الجديد ليسوا أبداً الأفراد المنطوين على ذاتهم الساعين لتحقيق مصالحهم الشخصية ورغباتهم الأنانية، بل هم الأفراد المبدعون الذين يمتلكون جرأة التعبير عن إبداعاتهم والساعون إلى مشاركة الآخرين لهم فى هذه الأفكار الجديدة فى كل مجالات العلم والحياة سعياً وراء تغيير نمط هذه الحياة إلى الأفضل دائماً، وإذا كنت من هؤلاء البشر واتسعت مساحة من يشاركونك هذه الرؤى والأفكار فأنت حتما ستكون إنساناً عصريا، وستكون حقاً قادراً معهم على تغيير نمط الحياة فى مجتمعك وعلى أرض وطنك إلى الأفضل لتنعموا جميعاً بحياة عصرية ملؤها الثقة والتفاؤل بجودة الحياة فى المستقبل القريب.