رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

تأملات

الأساطير المؤسسة للدولة الإسرائيلية

في ذكرى قيام إسرائيل التي وافقت الإثنين الماضي ومررنا على خلفيتها بحدثين يمثلان نقلة نوعية في مسارها، الأول احتفال سفارة الدولة العبرية بالمناسبة في قلب القاهرة، والثاني تدشين السفارة الأمريكية في القدس، ربما يكون من المهم الكشف عن بعض الجوانب المتعلقة بنشأة ذلك الكيان، وهى جوانب تكشف عن كم مرعب من عمليات التزييف في التاريخ والأحداث من أجل إتمام النشأة.

وإذا كان جانب من عمليات التزييف التي تمت في سياق النشأة المعاصرة ربما يكون معروفًا للبعض باعتباره يقع في نطاق التاريخ المعاصر بل والمعاش، فإنه مما قد يكون مثيرا للدهشة تلك الروايات التي تكشف عن عمليات زيف موازٍ تمت من أجل التأسيس لما يسمى بـ «إسرائيل القديمة» في التاريخ على النحو الذي يبرر نشأة إسرائيل الحديثة، ولعله مما يعزز تلك الفرضية أن ما سمى بإعلان الاستقلال لإسرائيل أشار إلى أن إنشاء إسرائيل ليس سوى إعادة بناء الدولة اليهودية.

ولعله من المهم هنا وفي سياق كشف ما يمكن وصفه بالأساطير المؤسسة للدولة العبرية الإشارة إلى كتابين بالغي الأهمية في هذا المجال، ينبغي العمل على تعزيز الاهتمام بهما بين المهتمين بالقضية ، الأول كتاب «اختلاق إسرائيل القديمة ..إسكات التاريخ الفلسطيني» ومؤلفه هو كيت وايتلام وهو كتاب صدر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية عام  1999، والكتاب الثاني هو «أسفار العهد القديم ..اختلاق الماضي» ومؤلفه توماس طومسون وصدر ضمن المشروع القومي للترجمة عام 2000. 

الكتابان، كل من منطلقه، الأول على مستوى سياسي، والثاني على مستوى ديني، يقدمان رؤى بالغة الأهمية تكشف كيف تمت إعادة كتابة التاريخ من أجل تسويغ المشروع الصهيوني في شكله الجديد والذي اتخذ شكل دولة هي إسرائيل تزعم أن لها وجودًا سابقًا في المنطقة. وحسب الكتابين فإن الباحثين في مجال الدراسات التوراتية اختلقوا كيانا يدعى إسرائيل القديمة استنادا إلى قصص من العهد القديم من صنع الخيال، وبتعبير «وايتلام» فإن إسرائيل القديمة المذكورة في الدراسات التوراتية هي من اختراع عقول العلماء.

وكنتيجة لذلك وعلى وقع تأثير هذه الدراسات فقد تم تجريد فلسطين من أي معنى باختزالها إلى إحدى مترادفات إسرائيل وهكذا أصبح الشيء موضع الدراسة هو إسرائيل وليس فلسطين وسكانها. فعن عمد ومن أجل إثبات الوجود الإسرائيلي تم ما يصفه المؤلفان بإسكات التاريخ الفلسطيني خاصة من القرن الثالث قبل الميلاد وحتى القرن الثاني الميلادي حيث لا وجود لهذا التاريخ إلا كخلفية لتواريخ إسرائيل ويهودا أو فترة الهيكل الثاني اليهودية.

ومن مجمل ما يتناوله المؤلفان في الكتابين يمكن استخلاص مجموعة الأساطير التي قامت عليها دولة إسرائيل الحديثة وجرى تعزيزها من خلال استنساخ مثيلها في إسرائيل القديمة المختلقة لإضفاء هالة تاريخية عليها.

*إسرائيل قوة كبرى: من خلال الادعاء القائل بأن دولة داوود وسليمان كانت إحدى القوى العظمي في العالم المعاصر لها وهذه العبارة يمكن بسهولة استعمالها لوصف دولة إسرائيل الحديثة وهو ما يدل على مدى الأهمية التي كانت لذلك الكيان القديم.. ففتوحات داوود حولت إسرائيل بشكل مفاجئ تماما إلى أكبر قوة في فلسطين وسوريا بل في الواقع ربما كانت إسرائيل في تلك اللحظة لا تقل جبروتًا عن أي قوة عظمى في عالمها. ويبين وايتلام أن هذا مجرد وهم زائف موضحًا أن إسرائيل التاريخية هذه لم تكن إلا لحظة عابرة في مسيرة التاريخ الحضاري لفلسطين القديمة.

*نفى الآخر : حيث حرص الصهيونيون الجدد المؤسسون لإسرائيل الحديثة على تصوير فلسطين على أنها فارغة وهو أمر له ما يوازيه في العلوم التوراتية في تكوينها للماضي الذي يتجاهل وجود شعوب محلية في مراحل عديدة من التاريخ . وهنا في التاريخ الحديث والقديم يتم تصوير اعتبار قيام إسرائيل في فلسطين ليس باعتباره عملا من أعمال السلب ولكنه كان استيلاء على أرض خالية بلا سكان أو على الأقل الاستيلاء على تلك المناطق في فلسطين التي لم تكن مأهولة.

*التفوق اليهودي على الجيران : وهنا يتم تصوير نظام إسرائيل السياسي على أنه مختلف جذريا ومتفوق على الحضارة المحلية في المنطقة. وفي سياق هذه الرؤى فإن من الأوصاف الشائعة في الخطاب التوراتي وصف فلسطين على أنها منطقة صغيرة وفقيرة ومعزولة ثم يتغير هذا الوضع وتصبح فلسطين مرموقة فقط بسبب الوجود التاريخي لإسرائيل فيها.

*حق إبادة الخصم : حيث يحق للشعوب المتفوقة إبادة الشعوب الأدنى درجة، وإن جرى التسويق لذلك بمنطق أنه وإن كان شيئًا يدعو للأسف إلا أنه ربما كان شيئًا حتميًا وهو ما يعطي إسرائيل الحق في إبادة الشعب الفلسطيني، بل ويصل البعض هنا إلى حد التأكيد على أن إبادة الإسرائيليين والأراميين للسكان الأصليين ومصادرة أرضهم كانتا لمصلحة هؤلاء السكان المحليين.

*وهم الطبيعة الدفاعية لإسرائيل: وهى فكرة متغلغلة في خطاب الدراسات التوراتية برمته فيما يتعلق بطبيعة الدولة الإسرائيلية وهو ما يحاكي الادعاءات الصهيونية والتبريرات الاعتذارية اللاحقة بعد إنشاء دولة إسرائيل الحديثة.

هذه بعض ملامح الأساطير التي قامت عليها إسرائيل الحديثة وجرى اختلاق أخرى شبيهة لها في إسرائيل القديمة لتقديم نوع من التبرير والتسويق للدولة الجديدة. ومن الغريب أن تلك الدولة التي تقوم على قدر من الزيف التاريخي غير المسبوق تملأ فضاءنا الإقليمي ضجيجًا فيما نشعر بالعجز عن مواجهتها، بل وانسحبنا من تلك المواجهة علنيا، ورغم ذلك فإن ما يذكر للقائمين على ذلك المشروع نجاحهم في تحويل الأساطير إلى واقع.. فيما نحن أصحاب الحق نقف متخبطين في تحديد الأرضية التي نقف عليها في خطة المواجهة!!

[email protected]