رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الجرأة على القرآن!

 

 

أكثر الذين اجترؤوا على القرآن اعتبروه كتاباً تاريخاً، يحقُ لمن يدرسه أن يتعامل معه من تلك الزاوية كما يتعامل مع أسفار التاريخ؛ إزاء هجمة شرسة من اعتبار المقدَّس لا يخلو من النقد، وليس عندهم من شيء مقدَّس سوى العقل البشرى الذى يحيل المقدس من فوره إلى مدنَّس قابل للاختلاف؛ لأنه إذا ما وقع المقدس فى حوزة البشر لم يعد مقدساً بل يهبط من التقديس إلى التدنيس، فيكون لكل أحد حق الاختلاف معه، أو تفسيره بما يرى، أو تأويله على هواه، أو استخدامه بمنطقه المقلوب، أو توظيفه فى خدمة مآربه السياسية، فتنشأ عن النص ضروب لا حصر لها من التوجهات والتوظيفات والتعددات المعرفية تخلو جميعها من التقديس؛ لأنها صناعة بشرية ولا تزيد.

لكن الذى يغيب عن الأذهان كثيراً هو: هل يُقاس النّص الدينى (القرآن) بما يتركه من آثار تعكس فهم الناس له، أم يقاس فهم الناس وتوجهاتهم المعرفية على القرآن كونه نصاً دينياً مقدساً، ثم يجيء فهمهم هم للنص ليكون ليس بمقدس؟ أيهما الذى يكون هو المقياس الصالح: فهم البشر أم القرآن كلام الله. هذا هو السؤال: إلى أى مدى يكون قياس المتغير على الثابت مقبولاً فى العقل؟

تلك نقطة مهمة داعية عندى للتفرقة بين النّص الدينى فى ذاته، وبين الخطاب الدينى إزاء التوجهات والتوظيفات. عندى أنه: من لم يقم بهذه التفرقة بادئ ذى بدء يَتَجَنّى على النص، ويسيء إلى نفسه قبل أن يسيء إليه، وإذا هو تجرأ على شيء فلا يتجرأ إلّا على البداهة التى لا تقبلُ خلاف، ناهيك عن اعتبار القرآن كتاب تاريخ أو اعتباره من جهة ثانية كتاب علم مع أن القرآن لا هو بكتاب تاريخ ولا هو بكتاب علم، ولكنه يُعطيك المبدأ الذى تفهم به التاريخ, والمفتاح الذى تفتح به أبواب العلم.

فى هذا الإطار؛ يأتى كتاب الدكتور محمد ممدوح (المجترئان على القرآن) ليرى فيه أن العقل الإيمانى يرفض الاجتراء على النّص، ولكن الكاتب يؤيد من جهة أخرى الاجتراء على الدعاة وينقد نظمهم المعرفيّة، وينطلق من أهمية تجديد التراث مع التّحفظ فى مسّ الكتاب الكريم المكنون بمثل ما يجترئ عليه اليوم المجترئون ممّن فقدوا قلوبهم فلا عقل لديهم مع التبصير فى الدين، فعاشوا مقلدين لأوهام تعشعشت فى أدمغة لم يخالطها وعى الإيمان. وبذات القدر كنتُ أتمنى أن يحوى النقض بين دفتى الكتاب أصحاب التقاليع الفكرية المسلّطون من أنفسهم حول دعوى طويلة عريضة اسمها (سُلطة النّص) تخفى وراءها التحلل من الدين بالأساس قدر ما تخفى قلة الشعور بالتبعة الخُلقية: من ضوابط المسئوليّة العلمية، والتقليد الأعمى لفرقعات الألفاظ المستعربة والجرى وراء كل ناعق من هناك. هل للنّص سُلطة؟ كيف وهو (وحي) مُنَزّلٌ من عندالله مَنْ شاء فليؤمن به، ومن شاء فليكفر، وعلى من يجد فى نفسه حرية الاختيار بين الكفر والإيمان، لا يقيّد النصوص الدينية بقيود الوهم المُسلط ولا ينزع عنها وهم الناظر إليها بالعنت، ولا يصفها بالسّلطة التى يخضع لها الخاضع خضوع الأغلال تكبّله عن الحركة وعن الحرية سواء.