الناصية

كتب لم تُكتب.. مواقف وأسرار يوم الرزية (1)

 

إن أهم الكتب هي تلك التي لم تكتب.. فمنذ أن عرف الإنسان الكتابة، أبدع افكاراً وفنوناً رائعة، نقشها ورسمها على الأحجار والجلود والأوراق، وكذلك ضمتها مئات الملايين من الرسائل والوثائق والكتب، ربما يفوق عددها عدد البشر أنفسهم.. ولكن تظل الكتب التي لم تُكتب، هي في كل الأحول، أكثر بكثير، من تلك التي تمتلئ بها أرفف المكتبات في العالم!

 والتعرف على الكتب التي لم تُكتب.. ليس نوعاً من قراءة الغيب، ولا محاولة لاستنطاق الحقيقة، ولكن هي اشبه بإعادة تمثيل للوقائع والظروف التاريخية المحيطة في ذلك الوقت، ونوع من البحث عن الأسرار التي تكشف جوانب أخرى غير معروفة لأحداث وقعت، كانت وراء عدم ظهور الكثير من الكتب في محيطنا الإسلامي والعربي والمصري، وأدت الى تغيير مجرى التاريخ، ولن أكون مبالغاً إذا قلت إن غيابها كان له تأثيره في مصير شعوب وأمم.. حيث إن كتابتها، كانت ستكشف الكثير من الحقائق التاريخية الغامضة، وكان يمكن أن تجنب البشرية أهوالاً، وحوادث، راح ضحيتها ملايين من البشر، وكانت سبباً في تدمير أمم وتخلف شعوب، وستكون كذلك في المستقبل.. وإن غيابها سبّب التباسا في الفهم أو عدم المعرفة وغموضا في المواقف والآراء. ولربما إذا تعرفنا على الأسباب التي وراء إحجام أو تراجع أصحابها عن كتابتها، يمكن أن تساهم في الكشف عن جوانب كثيرة خفية للعديد من الحوادث والشخصيات التاريخية.. على كافة الأصعدة وفي كل العصور.

والكثير من هذه الكتب التي لم تُكتب، غالباً، أصحابها رفضوا كتابتها، بإرادتهم أو مجبرين أو مضطرين.. ربما لمصلحة ذاتية أو للمصلحة العامة، وسواء امتنعوا أو منعوا المهم في النهاية كان هو الصمت.. ولذا كانت هذه الكتب، في حال كتابتها، ستوضح حقيقة الكثير من المواقف، سواء كانت سلبية أو إيجابية، وبالتالي كان لا حاجة للكثير من الخلافات والصراعات بسبب اتباع أفكار وأقوال شفاهية تناقلتها أفواه من أفواه، واشخاص من أشخاص، لا نعرف حقيقية هل قالها أصحابها أم لم يقولوها، لأنها مع الزمن واختلاف الظروف التاريخية والسياسية تبدلت وتحورت وتغيرت حقيقتها عبر رحلة طويلة من السنين.. بينما في الحقيقة لم تكن كذلك في البداية ولو أن أصحابها سجلوها ووثقوها في كتب تحمل أسماءهم ما كان أحد تجرأ وأن يتكلم بألسنتهم أو يقول ما لم يقولوا.

ومن أول وأبرز هذه الكتب التي لم تكتب، يأتي كتاب رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، الذي أراد أن يكتبه لأصحابه، بل لكل المسلمين، في مرضه الأخير، وقبل وفاته بأربعة أيام وتحديداً يوم الخميس، حيث كانت الوفاة يوم الاثنين، أن يكتب لهم كتاباً، حتى لا يضلوا من بعده.. هذا الكتاب من الكتب التي لو قدر لها أن تكتب كانت ستغير مجرى التاريخ الإسلامي، والمسلمين.. وربما البشرية كلها، وكانت ستغير وجه المنطقة العربية.. وكان سيجعلها من أكثر المناطق تخلفاً الى أكثر المناطق تحضراً، ومن منطقة نزاعات وحروب وتدمير بين مذهبي السنة والشيعة، إلى منطقة متطورة وحديثة لسكانها والعالم.. ولكن بسبب تنازع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حضرته في ذلك اليوم، لم يكتب كتابه لهم، ولنا.. وذلك ما أغضب الرسول الحليم (صلى الله عليه وسلم) حتى إنه أمرهم أن يخرجوا ويتركوه، فما ينبغي عند نبي تنازع ؟!

فما هو هذا الكتاب؟ وما مضمونه، وهل كان هو الواقعة الأولى في الصراع المذهبي الدموي بين المسلمين؟! وما حقيقة رفض عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن يكتب رسول الله هذا الكتاب كما يقول ذلك الشيعة وينفيه أهل السنة؟ وهل أسر رسول الله إلى علي بن ابي طالب، كرم الله وجهه، بما كان يريد أن يكتبه كما ينفي ذلك أهل السنة وتؤكده الشيعة؟!..وماذا جرى في هذا اليوم الذي طلب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكتب كتاباً (لاَ تَضِلُّوا بَعْدِي) .. وللأسف لم يكتبه؟!

[email protected]