تأملات

تحولات مفهوم العدو بين إسرائيل وإيران

 

 

فكرة هذا المقال ليست جديدة وهى تلح على ذهنى بين فترة وأخرى على وقع التطورات التى نشهدها فى ساحتنا العربية والمصرية ويمثل تعاملنا معها فى تقديرى خطأ استراتيجيا يلقى بتأثيراته الكارثية على حاضرنا ومستقبلنا وهو تعامل يعبر فى أبسط الأقوال عما يمكن وصفه بـ «حول فى الرؤية».

كنت قد أشرت فى مقال سابق لى بالوفد نشر فى يوليو 2016 إلى تحول مفهوم العدو عند المصريين من كونه تمثل فى الإنجليز فى مرحلة من المراحل ثم إسرائيل ثم الإرهاب وكون هذا الأخير عدوا هلاميا يصعب تحديده والتعامل معه.  والخلاصة التى انتهيت إليها أن الإرهاب، مع ضرورات مواجهته والقضاء عليه، لا يجب بأى معنى من المعاني، أن يقصى من تصورنا أن عدونا الأساسى هو إسرائيل، فالإرهاب عدو مرحلي، أما تلك الأخيرة فهى عدو استراتيجى تقوم معادلة علاقتنا معه على أساس فكرة الأرجوحة فأى صعود للآخر يمثل هبوطا للآخر، والعكس.

على المنوال ذاته، فمن الواضح على الصعيد العربى حدوث تحول مماثل وإن اختلفت مفرداته حيث تحتل إيران، فى المنظور العربي، المكانة التى احتلها الإرهاب فى المنظور المصرى كعدو بديل لإسرائيل. أى متابع للسياسة العربية خاصة الخليجية يدرك مدى هذا التحول، ووصوله إلى مراحل متقدمة، إلى الحد الذى قد يصل لحد الاشتباك العسكرى المباشر، على نحو ما هو متوقع فى سوريا حال إرسال قوات عربية هناك، وكما هو متوقع فى اليمن حيث تجرى هناك معارك بالوكالة طرفاها دول خليجية وإيران.

الحديث فى هذا الموضوع مليء بالمواجع والمحاذير، فقد كان من المفترض أن تمثل إيران امتدادا للموقف العربى ونصيرا له فى مواقفه السياسية باعتبار الخلفية الإسلامية والتراث الحضارى المشترك إلى جانب تطورات ما بعد رحيل الشاه والتى أدت إلى تقارب طهران من مضمون السياسات العربية خاصة على صعيد الموقف من الولايات المتحدة وإسرائيل، على خلاف ما كان عليه الأمر خلال حكم الشاه، وهو التطور الذى لم يؤت ثماره على خلفية الخوف  العربى من دعاوى تصدير الثورة الإسلامية آنذاك. ورغم تجاوز الحالة فى إيران فكرة تصدير الثورة، التى تآكلت هى ذاتها فى إيران، على خلفية عوامل عديدة إلا أن حالة الجفاء ظلت قائمة مع إيران بشكل أدى لاحتلالها مكانة إسرائيل فى منظور الأنظمة العربية.

من المؤكد أن إيران فى تحركاتها تسعى لتحقيق مصالحها برؤية تتسم بقدر كبير من البراجماتية، وهو الأمر الذى قد يتعارض مع المصالح العربية، غير أن النظرة المتأنية لمواقف الطرفين العربى والإيرانى تشير إلى أن حجم الخصومة لا يجب أن يرتقى إلى المستوى الذى هو عليه الآن، والذى وصل إلى حد تشبيه مسئول عربى للمرشد الإيرانى خامنئى بهتلر، وهو تشبيه يشير إلى حالة التبرم بطهران وقادتها وسياساتها، بغض النظر عن تقييم هذه الحالة من التبرم وما إذا كانت تقوم على أسس صحيحة أم لا.

على الجانب المقابل، فإن السياسات الإسرائيلية تواصل تأثيراتها بالغة السلبية على الوضع العربى وهو ما يبدو بشكل لا يقبل الجدل فى فلسطين وسوريا، حيث تحقق تل أبيب نجاحات متواصلة تكاد معها أن تندثر القضية الفلسطينية، فيما يواجه التفتت قطرا عربيا رئيسيا هو سوريا، فى تأكيد لما ذهب إليه الرئيس السيسى من أن بعض الأقطار العربية تواجه أكبر خطر تصادفه منذ الاستقلال.

المفارقة أن الإمعان فى فرز مواقف الدول المختلفة إزاء قضايا المنطقة يشير إلى حالة من التماهى بين المواقف الإسرائيلية والعربية، تكاد تتطابق، وهو ما يمكن أن يجد صحته فى مثال الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى مع إيران وهو الأمر الذى لقى ترحيبا من تل أبيب وبعض العواصم الخليجية رغم تحفظ الدول الأخرى الموقعة على الاتفاق وتأكيدها على خطأ خطوة ترامب فى هذا الشأن.

المؤكد أن حجم التشابك فى المصالح بين إيران والعرب أكبر بكثير من حجم الخصام، وأن الأمر على النقيض مع إسرائيل، وهو ما يعنى فى النهاية أنه إذا كانت إسرائيل عدوا حقيقيا فإن إيران لا يمكن اعتبارها سوى عدو محتمل، وفرق كبير فى سياسات التعامل والعلاقات الدولية بين الأمرين!

 

[email protected]