ذكريات قلم معاصر

زكريا محيى الدين ليس شقيق خالد محيى الدين

 

 

خدعوك فقالوا: زكريا محيى الدين شقيق خالد محيى الدين!! كان هذا هو الاعتقاد السائد منذ يوليو 1952 منذ 66 عاماً، ويكتب هذا فى كل الصحف والمجلات وكل المطبوعات على اختلافها، وفى كل وسائل الإعلام الأخرى المسموعة والمرئية.. فإذا بنعى الأسرة فى أهرام الثلاثاء الماضى يؤكد أن زكريا محيى الدين ابن عم، وليس شقيق خالد محيى الدين، أشقاء خالد محيى الدين كلهم سيدات!! وربما كان هذا سبب إصرار والد خالد أن يدخل كلية الزراعة ليدير أراضيهم فى كفر شكر لولا دخول خالد الكلية الحربية لظروف خاصة قبل سنة من موعد دخول الجامعات وهذه قصة أخرى!!

طبعاً الذى كتب النعى ونشره أحد أفراد الأسرة الذى يعلم ما لا نعلمه ولا يعلمه أحد ولكنها حكاية غريبة خلال أكثر من نصف قرن الخطأ مستمر.. رغم أن هذه الأسماء المهمة جداً مرتبطة بكل الأحداث المهمة جداً وغير المهمة أيضاً.. واستمر هذا الخطأ باعتبار زكريا وخالد شقيقين هذه المدة الطويلة جداً.. ثم ينفيه إعلان نعى على عمود فى صحيفة الأهرام!!

وهذه ليست المرة الأولى التى تم ذكر أمور غير معروفة مسبقاً فى أعمدة النعى المختلفة.. لأن هذه الأعمدة يكتبها أصحابها ومستحيل أن يكون هناك خطأ ما.. مثلاً.

مثلاً.. خلال انتخابات الرئاسة التى أجريت عقب ثورة 2011 وكان أحمد شفيق أحد المرشحين البارزين توفى أحد أقاربه وفى نعى طويل فوجئت بأن إحدى بنات أحمد شفيق زوجة أحد أقاربى بل أيضاً جارى يسكن فى نفس الشارع.. حتى إننى سألت هذا القريب الذى أكد لى الخبر وأنه فى طريقه إلى الهجرة إلى أمريكا خلال يومين.. لم يكن يعرف الرجل الكبير الفاضل أحمد شفيق صلتى بزوج ابنته.. رغم كتابتى فى عدد من الصحف يومياً!!

أيضاً لم يتم إعلان زواج الفنانة الكبيرة المعروفة جداً يسرا من خالد صالح سليم ابن المرحوم صالح سليم إلا من نعى الأسرة بعد وفاة صالح رغم أن الزواج قديم ولكن لم يكن أحد يعلم ذلك إلا الأقربين جداً.. لذا كان نشر النعى مفاجأة غير متوقعة لكثيرين جداً.

تأخرت الثقافة الحقيقية فى مصر كثيراً.. كنا نملك العديد من دور النشر وكبار الناشرين فى العالم العربى.. لا ينافسنا من على بعد سوى لبنان.. أذكر من كبار الناشرين زمان عبدالحميد جودة السحار الذى كان من أول المعينين فى وزارة اسمها وزارة الثقافة، لثروت عكاشة ومحمد المعلم الذى حارب عبدالناصر حينما اعتقله وهدم مكتبته «القلم» وصادر أموالها وكتبها.. ولما أفرج عنه سافر إلى لبنان ليصدر دار الشروق من هناك ثم ينقلها إلى القاهرة.. ولما تقابلنا فى بيروت للاتفاق على نشر ثلاثة كتب لى سألته عن اسم الشروق فقال لى شروق شمس الديمقراطية فى أواخر حياة عبدالناصر.. وكان هناك محام كبير اسمه فائق الجوهرى يصدر كتب جيب اسمها (كتب للجميع) تبنى الفكرة الدكتور سيد أبوالنجا مدير المصرى القديم، وكان هناك محام اسمه كامل نسيت اسمه كان يصدر كتاب اسمه (كتابى) بحجم الجيب وغيرهم كثيرون.

أين هؤلاء الآن؟ الصحف القومية تبنت حكاية الكتاب وأصبحت لا تنشر سوى مرة كل مدة طويلة جداً.. بدلاً من كل أسبوع أو على الأكثر كل شهر.

أكتب هذا لأنه لو كان ما زال هناك ناشرون كبار على هذا المستوى من الفكر والثقافة لأعاد أحدهم بأقصى سرعة نسخة جديدة من كتاب خالد محيى الدين (الآن أتكلم) بمجرد مرضه أو حيت وفاته.. لقد سحبت الكتاب بعد حديث زوجته فى الأهرام منذ أيام وتذكرت حكاياته وخبايا وأسرار مهمة من رجل صادق داخل صانعى أخبار البلد.. مثلاً حكاية مظاهرات مارس 1954 التى هتفت بسقوط الديمقراطية وتحيا الديكتاتورية وكيف حشد رجالها وشبابها ضابط اسمه الطحاوى واحتاج لتمويل فدفع عبدالناصر أربعة آلاف جنيه وقصة الضابط الصغير الذى كان يتحدث مع شلة من زملائه لنقد بعض الأوضاع فإذا به يتقرب لعبدالناصر بنقل كل ما يقال وتتم محاكمة زملائه وإعدامهم نشرت الحكاية فى الصحف على أنها كانت مؤامرة!! هذا الضابط الصغير أصبح من هذه اللحظة أقرب شخص لعبدالناصر حتى وفاته!! الآن يحاول هذا الضابط الصلاة كثيراً فى المسجد القريب منى.. ويكتب أيضاً فى الأهرام، دماء ضباط الدرر لن تذهب هدراً.. كل من يقل سنه عن 75 عاماً يحتاج لقراءة كتاب (الآن أتكلم) ليعرف حقيقة تاريخ مصر ولكن أين الناشرون؟!