أحوالنا

الأمل فى الغد

 

 

كلما تمادى الغاصب فى جبروته، وأمعن فى استخدام الأساليب الوحشية والدموية لإخضاع الشعب المحتل وإذلاله كلما قربت ساعة الخلاص وقربت معها نهاية الاحتلال بغض النظر عما يتمتع به هذا المحتل من قوة عسكرية وجبروت، وعما يتمتع به من دعم ومساندة حتى لو كان من أقوى الدول، أو من القوة العظمى الوحيدة فى عالم اليوم. فهكذا علمتنا حكمة التاريخ قديمه وحديثه. كم من إمبراطوريات سادت فى هذا العالم وبعضها كان يوصف بأنه لا تغيب عنه الشمس، أين هى الآن، وكيف آلت إلى ما وصلت اليه؟ إمبراطوريات سطت على مثيلاتها وممالك ابتلعت أخرى ودول زالت وأخرى بادت. حكمة التاريخ الأبدية تكمن فى أن دوام الحال من المحال.

نقول هذا الكلام وقد شهدنا فى هذه الأيام غطرسة الاحتلال الإسرائيلى فى الأراضى الفلسطينية وقد بلغت منتهاها، ورأينا كيف أمعنت القوات الغاصبة المدججة بأحدث الأسلحة وأشدها فتكاً فى استخدام القوة المفرطة فى التصدى للمسيرات السلمية لشباب فلسطينى أعزل من السلاح والتى جرت للتعبير عن احتجاجها على استمرار الاحتلال الإسرائيلى، للأراضى الفلسطينية، وهو الاحتلال الوحيد الذى ما زال قائماً فى عالم اليوم. وبدلاً من أن تستمع إسرائيل إلى صوت العقل وتعمل على إنهاء احتلالها للأراضى الفلسطينية التى استولت عليها فى عام ١٩٦٧، ممتثلة فى ذلك إلى العديد من القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة لإنهاء هذا الاحتلال، وعدم جواز القيام بأى إجراءات تغير من طبيعة الأراضى المحتلة، قامت إسرائيل بارتكاب مذبحة جديدة راح ضحيتها فى يوم واحد، يوم الاثنين الرابع عشر من مايو، ثلاثة وخمسون شهيداً، وأكثر من ألفى جريح.

وهكذا وفِى الذكرى السبعين لنكبة ضياع فلسطين يمنى الشعب الفلسطينى بالفجيعة تلو الأخرى، فى محاولة من العدو المحتل لإشعاره بالعجز، ومن ثم الإحساس باليأس حتى يستسلم تماماً، ويرضى بما يفرض عليه من حلول. وَمِمَّا يشجع الإسرائيليين على ارتكاب هذه المجازر والتمادى فيها قدرتهم على استغلال الإعلام الدولى والسيطرة عليه. ففى مواجهة المسيرة السلمية أشاع الإعلام الإسرائيلى أن جماعة حماس ركبت المسيرة وحولتها عن سلميتها.

وبينما كانت مذبحة غزة تجرى على قدم وساق كانت مدينة القدس تشهد احتفالاً كبيراً بافتتاح سفارة الولايات المتحدة التى أمر الرئيس الأمريكى بنقلها من تل أبيب إلى القدس، وهو القرار الذى كان الكونجرس الأمريكى قد اتخذه منذ تسعينيات القرن الماضى، ولَم تجرؤ أى إدارة أمريكية سابقة على تنفيذه؛ خوفاً من تداعيات الموقف الذى سينجم عن ذلك. ويبدو أن مجريات الأحداث على الساحتين الفلسطينية والعربية، أغرت الرئيس ترامب باتخاذ هذه الخطوة دون خوف من نتائجها. فالخلافات الفلسطينية الداخلية والاستقطاب ما بين السلطة الفلسطينية وجماعة حماس أضعف الوضع الفلسطينى، وأغرى العدو باستغلاله. وفِى نفس الوقت، فإن الوضع العربى يمر بفترة من الضعف والتفكك لم يشهد لها مثيلاً من قبل. ويكفى النظر على ما جرى ويجرى فى العراق وسوريا واليمن وليبيا للتدليل على ذلك.

ووسط هذه الأجواء حلت النكبة الجديدة التى استهدفت زهرة المدائن القدس التى أهداها ترامب لإسرائيل وأوفد ابنته وزوجها للاحتفال بنقل سفارة بلاده إليها. وعلى الرغم من كل ذلك فإننا نتطلع إلى الغد يحدونا الأمل فى أن تتبدل هذه الأوضاع ويعود الحق إلى أصحابه مثلما عاد الحق إلى مانديلا ورفاقه فى جنوب أفريقيا بعد معاناة من أشد انواع الاحتلال الاستيطانى شراسة وعنفاً.