التهديد الذى حمله «السعدنى» لـ«عبدالناصر»

 

 

ذهب «السعدنى» إلى دمشق فى تلك الأيام التى كان العرب فيها يطلقون عليها قلب العروبة النابض.. وفيها التقى بمختلف أطيافها السياسية وعلى رأسهم ثلاثى الحزب الذى قاد الأمة إلى الهلاك، حزب البعث العربى الاشتراكى الرافع لشعارات براقة دون أن يكون لها أى صدى حقيقى بين الناس.

من قادة هذا الحزب ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأكرم الحورانى.. والغريب أن الشخص الوحيد الذى لفت انتباه «السعدنى» من كل قادة سوريا هو أكرم الحورانى، وعلى شخصى الضعيف أطلق اسمه وهو الرجل الذى شغل منصب رئيس المجلس النيابى السورى وهناك شهد «السعدنى» الجلسة التاريخية التى جمعت «الحورانى» مع خالد بكداش، رئيس الحزب الشيوعى السورى والتى خصصت لمناقشة عملية الوحدة مع مصر فى الوقت الذى كان فيه الشعب السورى ومؤسسات الدولة هناك فى حالة من الفرح الهستيرى بفكرة الوحدة التى أصبحت فى طور التحقيق لأول مرة فى التاريخ العربى الحديث.. لكن خالد بكداش يسير عكس الاتجاه الجارف للتيار وعندما واجه معارضة ومقاومة شديدة كادت تتطور إلى ما لا تحمد عقباه، أعلن استعداده لقبول الوحدة بين سوريا ومصر ولكن بشروط أهمها السماح بقيام أحزاب فى القطرين على رأسها الحزب الشيوعى واجراء انتخابات حرة.. وهب خالد بكداش قائلاً لرئيس مجلس النواب، أكرم الحورانى: إذا لم تتم الموافقة على شروطنا فسوف يتحول الشيوعيون إلى مقاتلين.. ولكن ليس على طريق القومية العربية!!.. وجاء رد أكرم الحورانى صادما لخالد بكداش فقال له: «سوف نعرض اقتراحك على أعضاء المجلس للتصويت، وسيقول ممثلو الأمة رأيهم وستكون الغلبة لهم!!».. وبعدها غادر خالد بكداش غرفة رئيس المجلس النيابى متجهًا إلى الاتحاد السوفيتى، وانعقدت الجلسة التاريخية لمجلس الأمة السورى بدون خالد بكداش، ووافق المجلس على قيام أول وحدة فى تاريخ العرب الحديث بإجماع الآراء. وانفجرت سوريا من أقصاها وطاف الشعب السورى فى الشوارع ورقص الجميع الدبكة كما يقول «السعدنى».. وانطلقت الصواريخ فى السماء، وتعطلت جميع المصالح والمؤسسات لمدة أسبوع كامل، وعاشت سوريا أسعد أيامها!!

وأثناء اقامة «السعدنى» الممتدة لعدة أسابيع هناك تعرف على سياسيين عرب لاجئين فى دمشق، من بينهم أعضاء كبار فى الحزب الشيوعى العراقى هربوا من نار نورى السعيد ولجأوا للإقامة فى سوريا.. وعرف «السعدنى» طريق هؤلاء الساسة عن طريق المرحوم الدكتور فؤاد جلال الذى كان أول وزير للإرشاد فى حكومة الثورة.. ساعتها تصور إخواننا الشيوعيون من أهل العراق بأن «السعدنى» الذى جاء إلى دمشق مندوبًا لجريدة الجمهورية لسان حال الثورة وقائدها جمال عبدالناصر والذي يجالس كل زعماء الاحزاب فى سوريا ويصادق فؤاد جلال، لابد أن يكون الرجل الأكبر نفوذا فى بلاط صاحبة الجلالة فى مصر، وأنه الأقرب إلى قلب وعقل جمال عبدالناصر.. وظن البعض منهم أن «السعدنى» ربما يكون مخبرا جاء متخفيا فى ثوب صحفى.. وبناء على هذا التحليل الشيوعى العراقى الجهنمى، اقترب أعضاء الحزب الشيوعى العراقى من «السعدنى»، ومن بينهم ثلاثة أعضاء هم عامر عبدالله وعزيز شريف وطبيب اسمه صفاء.. وذات يوم أرسلوا دعوة لـ«السعدنى» على العشاء فى منزل أحدهم، ولبى «السعدنى» الدعوة بمنطقة أبورمانة.. وبعد أن التهم الجميع ما لذ وطاب من الطعام السورى والعراقى اقترب عزيز شريف من «السعدنى» وهمس فى أذنه قائلا: «نريد أن نطلب منك طلبا ونتمنى أن يجد الطلب استجابة من شخصك الكريم».. وتصور «السعدنى» من كثرة ما تمسكن الرجل أنه فى حاجة إلى بعض النقود.. فقال له: «اؤمر»!! لكن «السعدنى» فوجئ بالرجل يخرج مظروفا كبيرا وهو يقول: «هذه الرسالة نريد توصيلها إلى السيد الرئيس جمال عبدالناصر».. وقال «السعدنى» وبراءة الأطفال فى عينيه: سوف أسلمها فى الصباح للسيد السفير محمود رياض.. ورد عامر عبدالله مقاطعًا: «نحن نعرف محمود رياض ونتصل به على الدوام، ولو أردنا توصيلها عن طريقه لفعلنا.. لكن وقع اختيارنا جميعا على شخصك أنت بالذات لكى تسلم الرسالة «لناصر» ونخشى لو قمنا بتسليمها لأحد غيرك أن تقع فى أيدى آخرين، فهدفنا أن يسمع «ناصر» العظيم صوتنا، وأن تصل الرسالة إلى يديه»!! وصارح «السعدنى» الموجودين بأنه لا يعرف «عبدالناصر» ولم يقابله.. فإذا بهم جميعا يقعون على الأرض من شدة الضحك وظنوا أن «السعدنى» يحاول أن يخفى شخصيته ومهمته السرية وأنه يخفى أيضا مقامه الرفيع كأحد كبار المسئولين وأحد كبار المقربين إلى الثورة ورئيسها.. ثم رسموا جميعًا ابتسامة فيها من اللوم أكثر مما فيها من السرور، وعندما يقول «السعدنى» إنه عمل بنصيحة المتنبى:

«فلما صار ود الناس خبا.. جزيت على ابتسام بابتسام».. فابتسم ابتسامة صفراء بدوره ومد يده وتسلم الرسالة، وتشاء الأقدار أن يتسلم فى اليوم التالى برقية تدعوه إلى العودة إلى القاهرة على وجه السرعة من قبل المسئولين بجريدة الجمهورية.. ولكن السعدنى ألقى بالبرقية فى سلة المهملات، وظل سعيدا بالأفراح والليالى الملاح التى تعيشها سوريا.. وجاءت برقية ثانية وبرقية ثالثة «السعدنى» كما هو منشكح وفرحان على الآخر من الحياة على أرض سوريا، حتى وصل إلى دمشق فجأة وفد مصرى برئاسة الأستاذ أحمد سعيد المذيع الشهير وكان اسمه هو أشهر الأسماء فى العالم العربى بفضل إذاعة صوت العرب، ونصح «السعدنى» بمجرد أن رآه بالعودة فورا إلى القاهرة.. وبالفعل عاد «السعدنى» على أول طائرة تغادر إلى أرض الوطن، وذهب فى اليوم التالى لمقابلة القائم مقام أنور السادات، وحتى هذه اللحظة كان «السادات» هو المسئول الوحيد فى الثورة الذى تجمعه معرفة أو صداقة بـ«السعدنى»، وكان ذلك فى عام 1958، وأخبره «السعدنى» بحكاية المظروف الموجه من الحزب الشيوعى العرقى إلى «ناصر»، وحاول «السادات» أن يفتحه، لكنه كان محكم الإغلاق فوضعه أمامه - وليته فتحه - وقام بالاتصال بجهة مجهولة لـ«السعدنى» وطلب ايفاد مندوب لتسليم رسالة من دمشق إلى الرئيس.. ثم - وهذا الغريب فى الأمر - جاء رجل يرتدى ملابس رسمية ضخم الجثة خلال دقائق معدودة بعد المكالمة وتسلم الرسالة وصافح «السادات» وقدم له التحية العسكرية وسلم على «السعدنى» وغادر وجلس «السعدنى» يحكى للسادات شهادته عما شاهده فى سوريا.. وفى النهاية نصحه «السادات» بأن يشد حيله.. وعاد «السعدنى» إلى العمل بهمة ولكنه فى أول شهر مايو من عام 58 ذهب ليقبض راتبه فانتحى به موظف الخزينة جانبا وهو يعتذر له ثم قدم إليه ورقة لكى يوقع عليها.. وكانت خطابا بالفصل من الجريدة.. وهنا بدأ «السعدنى» يفتش عن الأسباب ويبحث عن الأخطاء التى أدت به إلى ذلك المصير المهبب.. لقد تم فصله وأصبح هذه المرة مرفوتا.. وقد ترددت فى أذنيه كلمات «السادات»: «أنت موقوف يا وله.. لا.. أنت مرفوت يا وله».. وضرب «السعدنى» أخماسا فى أسداس.. ولكنه هرب من خياله الخصيب بعض الشيء وعاد ليسأل الرجل الطيب صراف الخزينة: «الجواب ده علشان العبدلله بس.. وللا فيه ناس تانية معايا»؟! ورد عليه الرجل قائلا: «ده فيه فوق الـ60 جواب زى ده»!! وعلم «السعدنى» أن بيرم التونسى على رأسهم وألفريد فرج من بينهم، لكنه سأل عن شخص واحد فقط وقال: «الخميسى منهم؟!».. فرد الرجل بالإيجاب.. وخرجت من أعماق «السعدنى» ضحكة صافية وعميقة.. وتحول الغضب واليأس والحزن داخل «السعدنى» إلى فرح وسرور وانشكاح.. وأمسك بسماعة التليفون واتصل بـ«الخميسى».. وسأله «الخميسى»: «بتكلم منين يا ابنى»؟!.. «ورد السعدنى: من الخزنة يا عم «الخميسى».. ويطلب إليه «الخميسى» ألا يتحرك من مكانه لأنه قادم إليه.. وبالفعل يأتى الرجل ويقتحم غرفة رئيس الخزينة وهو يصرخ كالمجنون: «إيه الخبر اللى أنا سامعه ده.. أنتو صحيح فصلتوا السعدنى»! فيهز رئيس الخزينة رأسه بالإيجاب.. وهنا يتوعد «الخميسى» قائلا: «أنا هاقلب الدنيا عاليها واطيها.. هاكلم أكبر رأس فى البلد».. ثم ينظر إلى «السعدنى» وهو يقول: «أنت فنان يا ابنى.. وراجع راجع بعون الله وبمجهود عمك الخميسى».. ثم يمد رئيس الخزينة يده بورقة إلى «الخميسى» وهو يقول: «والله أنا متأسف قوى يا أستاذ بس ما باليد حيلة».. ويمسك «الخميسى» بالورقة فإذا بها قرار بالفصل.. وعندها هاج «الخميسى» وثارت ثائرته وأعلنها صريحة.. أن «الناس اللى بتحكم البلد دى ما عندهاش لا دم.. ولا أدب».. ويضيف «الخميسى»: «صحيح رضينا بالهم.. والهم مرضيش بينا.. حد يرفت جواهر الشعب المصرى.. بيرم التونسى.. ده معقول يا ناس؟ ويسحب «الخميسى» «السعدنى» إلى الخارج وهو يردد.. الناس دى حصلها لوثة عقلية يا ابنى والبلد دى ح تخرب على أيديهم عن قريب جدا..!

وأوقف «الخميسى» سيارة تاكسى.. وركب معه «السعدنى»، وقال للسائق: «على ميدان التحرير يا أسطى».. وسأله «السعدنى»: «أنت رايح فين فى التحرير يا عم خميسى؟!.. فيجيبه الخميسى قائلا: أنا رايح للشعب يا ابنى».

ويحمد لله «السعدنى» لأنه فى طريقه إلى جريدة الشعب والتى بالتأكيد سوف ترحب به بعد أن تم طرده من الجمهورية وانشكح «السعدنى» بعد حزنه، ولكن «الخميسى» أمر السائق بالتوجه إلى كوبرى قصر النيل.. وعندها استوقفه «السعدنى» قائلا.. «بس جريدة الشعب فى القصر العينى يا عم عبدالرحمن».

وهنا صرخ «الخميسى» قائلا: «أنا رايح للشعب المصرى يا ابنى».

وتسمر سائق التاكسى وهو يركز ببصره فى المرآة نحو «الخميسى» وتصور أنه هارب من مستشفى العباسية.. أما «السعدنى» فقد أقسم ميت يمين أن ينزل من السيارة قائلا: «روح أنت لوحدك للشعب المصرى أنا رايح على الشعب الجورنال»!!

وتبين لـ«السعدنى» بعد ذلك أن المظروف إياه تسبب فى كارثة ليس لشخصه وحده ولكن لعدة مئات من المثقفين والكتاب والشعراء والصحفيين.. إنه خطاب الحزب الشيوعى العراقى إلى الرئيس «ناصر» والذى وصل فى نهاية المطاف إلى أجهزة الأمن وصنفوا «السعدنى» على أساس أنه أحد كبار قادة الحزب الشيوعى المصرى، بدليل اختيار الشيوعيين العراقيين له كوسيط من أجل إرسال خطابهم إلى «ناصر».. وقد حمل الخطاب كارثة بمعنى الكلمة.. فقد بعثوا برسالة تهديد إلى «عبدالناصر» بأنه فى حالة المساس بالقيادات الشيوعية العربية أو المصرية، فإن مصيره سيكون أسود من قرون الخروب.. وبالطبع سألوا عن الرسالة وحاملها وكيف دخلت مصر ومن الذى أرسلها إلى مكتب الرئيس، وكانت الاجابات كلها تصب فى غير صالح «السعدنى».. الذى ذهب ضحية لتحليل غبى من قادة الحزب الشيوعى العراقى الذين ظنوا أن «السعدنى» هو مخبر للنظام «الناصرى»، وأنه أفضل العناصر الموصلة لآرائهم وكتاباتهم وتهديداتهم لجمال عبدالناصر، ولم يكن الغباء مقصورًا على هؤلاء ولكنه أمتد أيضا إلى الأجهزة المصرية التى خيل لها أن «السعدنى» هو بالتأكيد أحد قادة الحزب الشيوعى المصرى والمستعد لكى يعلق نفسه على أعواد المشنقة من أجل أفكار الحزب، وإلا كيف جاءته الشجاعة لحمل مثل هذه الرسالة إلى الرئيس جمال عبدالناصر. وقد دفع «السعدنى» الثمن غاليا عندما جاءه ذات مساء أحد ضباط قسم الجيزة وكان ملازمًا أول هو السيد حسن أبوباشا الذى أصبح بعد ذلك وزيرًا للداخلية وتحول إلى أحد أعز من عرفهم «السعدنى» فى رحلة الحياة.. وقد طلب منه أن يصحبه لمدة خمس دقائق لا تزيد.. ولكن الدقائق الخمس هذه طالت واستطالت فى عمر الزمن لتصل إلى 18 شهرًا خلف القضبان!!