أوراق مسافرة

شهادة.. مواطن..!

التشرد.. الصعلكة.. انتظار الطعام والمساعدات من المارة، والنوم على الرصيف لدى هؤلاء هواية واختيار، وليس إجباراً أو إلزاماً تفرضه عليهم حكومات بلدانهم بقراراتها الجبارة فى التقشف، وفى رفع أسعار السلع والخدمات والفواتير والتذاكر، هناك فى تلك البلدان المتقدمة تضع الحكومات نصب أعينها أولاً فئات الشعب المعدمة «إن وجدت» أو البسيطة والمتوسطة، يتم مراعاة هؤلاء بـ«دعم» فى كافة القطاعات، من خلال بطاقة يحملونها، أو شهادة خاصة يحصلون من خلالها على تخفيضات أو دعم حكومى فى إيجار المسكن، فى فواتير الخدمات من غاز وكهرباء ومياه، وتخفيضات فى وسائل النقل كافة ولا أسميها شهادة «فقر» بل اعتبرها «شهادة مواطن» أو مواطنه، فمن حق أى مواطن أن يعيش بكرامة فى بلده، ولا يقتصر التخفيض على أصحاب المعاشات أو الأطفال أو ذوى الاحتياجات الخاصة، بل يشمل كل الفئات التى يقل دخلها عن الحد الأدنى للأجور، والحد الأدنى للأجور يا سادة يكفى أى مواطن وأسرته للعيش بصورة كريمة آدمية محترمة لا تجعله يكره حياته وبلده والأمل فى مستقبله، فلا يفقد بالتالى شعوره بأنه مواطن محترم فى بلده وله اهتمام وتقدير فى خارطة وتفكير حكومته.

وحين تحتاج الحكومة فى هذه الدول إلى تمويلات لإعادة هيكلة أى منظومة خدمية أو مرافق، يتم هذا على الفور دون إرجاء عام وراء أعوام، لأن الإرجاء يفاقم المشكلة ويدمر المرافق لتصل إلى المربع صفر الذى يستعصى معه الإنقاذ وتتضاعف معه التمويلات المطلوبة، والصيانة لا تتم برفع أسعار الخدمات بصورة جنونية تصل إلى 100%، بل بزيادة طفيفة قد لا يشعر بها المواطن، ويتم استثناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة منها، ويتحملها بالتالى الأثرياء والقادرون من شرائح المجتمع فلا تشملهم استثناءات التخفيضات، كما ترفع لهم قيمة الضرائب، كما تتجه الدولة فى هذا أيضاً إلى الاستثمارات، والإعلانات، والمعونات من كبار رجال المال والأعمال الوطنيين، فلا يتحمل البسطاء كلفة الصيانة.

فى هذه الدول توجد قاعدة بيانات لكل المواطنين منذ ولادتهم وحتى وفاتهم، وكل مواطن عبارة عن ملف له رقم يتبع الحى السكنى الذى ولد به، وينتقل ملفه بصورة أوتوماتيكية عبر الكمبيوتر إلى أى مكان آخر قد ينتقل إليه، ويتضمن ملفه مستويات تعليمه «فلا يحدث تسرب من التعليم حيث يغرم الآباء لو فعلوا هذا بجانب عقوبات أخرى»، ويتضمن ملفه حالته الصحية والاجتماعية، وأعماله، والشريحة التى ينتمى إليها فى الأجور، بجانب ملفه الضريبى، ومن هنا لا تهرب ضريبى، ولا أبواب خلفية للكسب غير المشروع، فغير مسموح له أن يكون للمواطن حسابات بنكية متعددة أو غير مدرجة فى ملفه الضريبى، والنظام الرقابى للدولة على دخول المواطنين ومكاسبهم صارم لا يرحم، ومن هنا كانت العدالة الاجتماعية أقرب، والفروق بين الطبقات تكاد لا ترى، وإذا ارتفعت أسعار سلع أو خدمات، لا يشعر بها غالبا البسطاء، لأنه يتم تعويضهم عنها بتلك المساعدات الحكومية والتخفيضات، فيما يتحمل هذه الزيادات الكبار.. الأثرياء غالباً.

أما فى بلدنا الحبيب نسير وفقاً لمقولة «يعملوها الكبار ويقعوا فيها الصغار» الكبار يفشلون.. يخطئون.. يتنبهون فجأة للكارثة.. يقررون، يلقون بقراراتهم فى «وش» الصغار.. إحنا الشعب.. الكبير فى التعداد والفقر والهم.. والصغير فى الدخل وفى عيون الكبار.. وتدريجياً.. يتلاشى اهتمام الكبار بنا.. بالشعب، وللحديث بقية.

 

[email protected]