رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الوفد يحتفل بذكراه اليوم فى شرم الشيخ:

عيد الجهاد الوطنى.. قصة كفاح شعب مصر من أجل الحرية

«البدوى»: 13 نوفمبر 1918 أول مواجهة مباشرة يرتفع فيها صوت الشعب ضد الاحتلال الإنجليزى

 

كيف واجه الزعماء الثلاثة «سعد» و«فهمى» و«شعراوى» صلف المحتل البريطانى؟

 

المصريون يسيرون على درب الوطنية الحقيقية المنبثقة عن ثورة 1919 فى مقاومة المؤامرات

 

مبادئ ثورة 30 يونية امتداد طبيعى لثورة 1919 من أجل التحرر والحياة الكريمة

 

قرر حزب الوفد برئاسة الدكتور السيد البدوى رئيس الوفد، إقامة الاحتفال بعيد الجهاد الوطنى فى مدينة شرم الشيخ اليوم «الجمعة».. وأشار «البدوى» الى أن يوم 13 نوفمبر يعد ذكرى عزيزة لدى جموع المصريين نستهلم منه المواقف الوطنية الرائعة، لأنه بمثابة أول مواجهة مباشرة ارتفع فيها صوت الشعب المصرى معلناً رفضه للاحتلال الإنجليزى.

تحل اليوم 13 نوفمبر ذكرى عيد الجهاد الوطنى والذى يعد عيداً قومياً مصرياً ويرمز الى بدء مرحلة جديدة فى حياة المصريين، وترجع قصة عيد الجهاد الوطنى لعام 1918، عندما ذهب الزعيم خالد الذكر سعد زغلول ورفاقه الى المعتمد البريطانى وقتذاك السير ونجت معلنين استقلال مصر من الإنجليز ويطلبون الحرية للبلاد، وكان سعد ورفيقاه على شعراوى وعبدالعزيز فهمى مخلصين فى وطنيتهم يعون ما يقولون فالأحكام العرفية والمحاكم العسكرية واقفة بالمرصاد لكل من تحثه نفسه على مقاومة مطامع الاستعمار، ولكن سعد كان شديد الإيمان بالله وبنفسه وبأمته وحقها فى الحياة فوضع رأسه على كفه ومضى قدماً الى غايته وكان من جراء ذلك أن نفوه الى مالطة وسيشل وحاربوه بكل سلاح إلا أنه ظل عالى الرأس مردداً دائماً سأبقى مخلصاً لواجبى الوطنى، وتعد هذه أول مواجهة مباشرة ارتفع فيها صوت الشعب المصرى معلناً رفض الاحتلال فأصبح ذلك اليوم عيداً للجهاد يحتفل به وصفحة من صفحات تاريخنا الوطنى وظل سعد يحتفل بذلك اليوم حتى عام 1926 آخر احتفال شهده الزعيم وامتلأ يومها السرادق الكبير الذى أقيم بجوار بيت الأمة بالمحتفلين ورجال الدولة الوزراء.

ويعد عيد الجهاد الوطنى بمثابة قصة كفاح شعب من أجل الحرية نستلهم منه الوطنية والسير على الدرب من أجل مقاومة كل التحديات والمؤامرات التى تدبرها الدول الغربية وأمريكا ضد الدولة المصرية.

ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن ثورة «30 يونية» هى امتداد طبيعى لمبادئ الوطنية المنبثقة عن ثورة 1919 فى سبيل الحرية والتحرر والحياة الكريمة للمصريين.

فى 13 نوفمبر عام 1918 توجه سعد زغلول وعلى شعراوى وعبدالعزيز فهمى الى المندوب السامى البريطانى يطلبون منه السماح لهم بالسفر الى باريس لحضور مؤتمر الصلح عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى لعرض قضية استقلال مصر على هذا المؤتمر فما كان من المندوب السامى البريطانى إلا أن قال لـ«سعد» ورفاقه، انكم لا تمثلون الا انفسكم ولا تمثلون الشعب المصرى ورفض الاستجابة لمطلبهم، وكان رد الشعب المصرى بكل فئاته وطبقاته على ذلك بأنه قام بجمع توكيلات لسعد زغلول ورفاقه للسفر الى باريس لعرض قضية استقلال مصر وأن يسعوا فى سبيل ذلك بكافة الطرق، جاء ذلك بعفوية كبيرة عبرت عن توق المصريين الى الاستقلال عن الاحتلال الانجليزى وقد كشفت الاحداث والتطورات التى جرت بعد ذلك عن عمق رؤية من قاموا على الثورة ومنهم الزعيم خالد الذكر سعد زغلول ورفيقاه على شعراوى وعبدالعزيز فهمى.. الى جانب بقية الزعماء الذين لعبوا دوراً بارزاً فى الثورة التى اندلعت فى العام التالى 1919. وقد ظل هذا التاريخ عيداً قومياً يحتفل به كل عام.

وتشير المصادر التاريخية فى رصد تطورات وأحداث تلك الفترة إلى أن الزعماء الثلاثة توجهوا الى المعتمد البريطانى السير ونجت، ليتحدثوا عن  مستقبل مصر، وكان حسين باشا رشدى هو الذى توسط بينهم وبين السير لإتمام المقابلة، تسلسلت الوقائع وأخذت كل خطوة تترتب عليها أخرى حتى اندلعت نيران الثورة ومن ذلك أن المعتمد البريطانى، قال لرشدى باشا، رئيس الحكومة كيف سمح سعد زغلول  وعلى شعراوى وعبدالعزيز فهمى لأنفسهم بأن يتحدثوا باسم الشعب المصرى، فكان أن أوحى هذا الاعتراض للوفد بعمل صيغة لتوكيل «الوفد» ليتحدث باسم الأمة، فكانت العرائض التى وزعت فى طول البلاد وعرضها وأقبل الشعب بمختلف طوائفه على توقيعها شاءت الأقدار أن تكون سنة 1919 هى سنة الثورة.

وفى لقاء تاريخى التقى الوطنيون الثلاثة سعد زغلول وعلى شعراوى وعبدالعزيز فهمى ـ السير البريطانى الذى بادرهم بالقول: «ان الصلح اقترب موعده وان العالم يفيق بعد غمرات الحرب التى شغلته زمناً طويلاً وان مصر سينالها خير كثير وان الله مع الصابرين، والمصريون هم أقل الأمم تألماً من أضرار الحرب وانهم مع ذلك استفادوا منها بأموال طائلة وان عليهم أن يشكروا دولة بريطانيا العظمى التى كانت سبباً فى قلة ضررهم وكثرة فائدتهم.

ورد سعد باشا ان الحرب كانت كحريق انطفأ ولم يبق الا تنظيف آثاره وانه يظن انه لا محل لدوام الاحكام العرفية ولا لمراقبة الجرائد والمطبوعات وأن الناس ينتظرون بفارغ صبر زوال هذه المراقبة كى ينفسوا عن انفسهم ويخفوا عن صدورهم الضيق الذى تولاهم أكثر من 4 سنوات، فقال السير ونجت انه ميال لإزالة المراقبة المذكورة وانه تخابر فعلاً مع القائد العام للجيوش البريطانية فى هذا الصدد ولما كانت هذه المسألة عسكرية فانه بعد تمام المخابرة والاتفاق مع القائد سيكتب للحكومة البريطانية ويأمل الوصول الى ما يرضى، ثم استمر قائلاً: «يجب على المصريين أن يطمئنوا ويصبروا ويعلموا انه متى فرغت انجلترا من مؤتمر الصلح فإنها تلتفت لمصر وما يلزمها».

وعلق سعد باشا: إن الهدنة عقدت والمصريين لهم الحق فى ان يكونوا قلقين على مستقبلهم ولا مانع يمنع الآن من أن يعرفوا ما هو الخير الذى تريده انجلترا لهم، فقال السير: يجب ألا تتعجلوا وأن تكونوا متبصرين فى سلوككم فإن المصريين فى الحقيقة لا ينظرون للعواقب البعيدة. فقال سعد باشا: ان هذه العبارة مبهمة المعنى ولا أفهم المراد منها، فأوضح السير: أريد ان اقول ان المصريين ليس لهم رأى عام بعيد النظر، فرد سعد باشا: لا أستطيع الموافقة على ذلك فإنى ان وافقتك أنكرت صفتى فإنى منتخب فى الجمعية التشريعية عن قسمين من أقسام القاهرة، وكان انتخابى بمحض إرادة للرأى العام مع معارضة الحكومة واللورد كتشنر فى انتخابى، وكذلك كان الأمر مع زميلى على شعراوى باشا وعبدالعزيز بك فهمى.

ورد السير ونجت: انه قبل الحرب كثيراً حدثت حركات وكتابات من محمد فريد وأمثاله من الحزب الوطنى وكان ذلك بلا تعقل ولا رؤية فأضرت مصر ولم تنفعها فما هى أغراض المصريين؟ فقال على شعراوى باشا: إننا نريد ان نكون أصدقاء للإنجليز صداقة الحر للحر لا العبد للحر، فقال السير ونجت: إذن أنتم تطلبون الاستقلال؟! فقال سعد باشا: ونحن له أهل وماذا ينقصنا ليكون لنا الاستقلال كباقى الأمم المستقلة.

قال السير: ولكن الأمية فى مصر كبيرة لا كما فى البلاد التى ذكرتها الا الجبل الأسود والألبان على ما أظن، فقال عبدالعزيز بك فهمى: ان هذه النسبة مسألة ثانوية فيما يتعلق باستقلال الأمم فإن لمصر تاريخاً قديماً باهراً وسوابق فى الاستقلال التام، وهى قائمة بذاتها وساكنها عنصر واحد ذو لغة واحدة، وهم كثيرو العدد وبلادهم غنية، وبالجملة فشروط الاستقلال التام متوفرة فى مصر ومن جهة نسبة الأميين للمتعلمين فهذه مسألة لا دخل لها فى الاستقلال.

وتابع: نحن عندنا كثير من المتعلمين بدليل أن أولى الحل والعقد تسمع عنهم فى كثير من الأحيان ان التعليم زاد فى البلد حتى صار فيها طائفة من المتعلمين العاطلين، وأما من جهة تشبيهنا بالطفل يتخم اذا غذى بأزيد من اللازم فاسمحوا لى أن أقول ان حالنا ليست مما ينطبق عليها هذا الشبه.

ورد السير: أتظنون أن بلاد العرب وقد أخذت استقلالها ستعرف كيف تسير بنفسها؟ فقال عبدالعزيز بك: إن معرفة ذلك راجعة الى المستقبل ومع ذلك فإذا كانت بلاد العرب وهى دون مصر بمراحل أخذت استقلالها فمصر أجدر بذلك.

فقال السير ونجت: كانت مصر عبداً لتركيا أفتكون أحط منها لو كانت عبداً لإنجلترا؟ فقال شعراوى باشا: قد أكون عبداً لرجل من الجعليين وقد أكون عبداً للسير ونجت الذى لا مناسبة بينه وبين الرجل الجعلى ومع ذلك لا تسرنى كلتا الحالتين، لأن العبودية لا ترضاها فقال السير ونجت: لكن مركز مصر حربياً وجغرافياً يجعلها عرضة لاستيلاء كل دولة قوية عليها قد تكون غير إنجلترا.

قال السير ونجت: قد سمعت أقوالكم وإنى أعتبر محادثتنا غير رسمية، بل بصفة حبية، فإنى لا أعرف شيئاً عن أفكار الحكومة البريطانية فى هذا الصدد، وعلى كل فإنى شاكر زيارتكم وأحب لكم الخير، فشكره الثلاثة على حسن مقابلته، وانصرفوا الساعة الثانية عشرة.

ومن حسن الحظ أن سعد زغلول وعلى شعراوى وعبدالعزيز فهمى تركوا لنا محضراً رسمياً بما جرى، وكان فهمى هو الذى حرر هذا المحضر وبالطبع راجع كل واحد من الثلاثة بدقة ما نسب إليه قبل أن يعتمدوا الوثيقة ويعتبروها الأساس الذى قام عليه الوفد.

وفى ضوء حقيقة انه لم يكن لدى الثلاثة الذين ذهبوا لمخاطبة السير ونجت شك فى أنهم يتكلمون باسم مصر، فإن السير البريطانى أبدى دهشته الى رئيس الحكومة: «كيف سح هؤلاء الثلاثة لأنفسهم بأن يتحدثوا باسم الأمة»، فكان أن نبتت فكرة التوكيلات «صيغة التوكيل الأولى»، حيث وضع الوفد صيغة أولى للتوكيل أذاعها فى البلاد.

وهذا نصها: «نحن الموقعين على هذا أنبنا عنا حضرات سعد زغلول باشا وعلى شعراوى باشا واحمد لطفى السيد بك ومحمد على بك وعبداللطيف المكباتى بك ومحمد محمود باشا ولهم أن يضموا إليهم من يختارون فى أن يسعوا بالطرق السلمية المشروعة حينما وجدوا السعى سبيلاً فى استقلال مصر تطبيقاً لمبادئ الحرية والعدل التى تنشر رايتها دولة بريطانيا العظمى حلفاؤها ويؤيدون بموجبها تحرير الشعوب».

عند هذه المرحلة كان الأمر قد استقر نهائياً حول ضرورة توحيد الجهود فسعى ممثلو الحزب الوطنى الذين كانوا يسعون لتأليف وفد برئاسة عمرطوسون الى سعد زغلول للتعرف على ما يجرى تمهيداً لتوحيد الجهود ولكن السلطة العسكرية تصدت للتوكيلات فى 23 نوفمبر، فلم تكد صيغة التوكيل توضع حتى أقبلت طوائف فى حماس منقطع النظير على توقيعها فكان أن أصدر مستشار وزارة الداخلية الإنجليزى أمره للمديرين بحظر تداول هذه التوكيلات والتوقيع عليها فشرع الناس يتداولونها ويوقعون عليها سراً.

فأصدر المستشار أمره بمصادرة ما تم التوقيع عليه فعلاً فاقتحم البوليس بعض الدور والمكاتب للاستيلاء عليها فكان ذلك أول حماقة إنجليزية بدأت تلهب النفوس وكشفت عن أن الوفد يعمل بالتضامن مع حكومة رشدى باشا.

وهذا نص الرسالة المتبادلة بين سعد زغلول وحسين رشدى حول هذا الموضوع: «حضرة صاحب الدولة رئيس الحكومة ووزير الداخلية ألتمس من دولتكم باسم الحرية والعدل أن تأمروا بترك الناس وحريتهم يتمون عملهم المشروع وإذا كانت هناك ضرورة قصوى ألجأت الحكومة الى هذا المنع فإنى أكون سعيداً لو كتبتم لى بذلك حتى نكون على بصيرة من أمرنا ونساعد الحكومة بما فى وسعنا على الكف عن إمضاء تلك التوكيلات، وفى انتظار الرد وتفضلوا يادولة الرئيس بقبول شكرى سلفاً على تأييد مبادئ الحرية الشخصية وعظيم احترامى لشخصكم الكريم، الوكيل المنتخب للجمعية  التشريعية ورئيس الوفد المصرى سعد زغلول.

وإذا كانت حماقة الإنجليز واستهانتها المطلقة بالشعب المصرى تجلت فى منعها التوكيلات ثم مصادرتها، فقد تجلت مرة أخرى فى منعها أعضاء الوفد من السفر، حيث يعقد مؤتمر الصلح فى باريس وقام الإنجليز بسلسلة من التصرفات فى هذه الفترة بعد انفجار الشعب بأن تراجعوا بغير انتظام عن هذه التصرفات، ومن حسن حظ التاريخ أن خطاب سعد زغلول الى السير ونجت المعتمد البريطانى يسجل الخطوة الجديدة بكل دقة.

وقد كتب سعد زغلول للمعتمد البريطانى يقول: «الى صاحب الفخامة السير ريجنلد ونجت المندوب السامى لحكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى: أتشرف بأن أعرض لفخامتكم أنه تألف وفد برئاستى بقصد السفر الى انجلترا للمفاوضة مع أولى الحل والعقد من البريطانيين بشأن مستقبل مصر.

وقد أرسلت لرياسة الجيش الإنجليزى بتاريخ 20 الجارى خطاباً التمست فيه اعطائى أنا وزملائى جوازات السفر فتفضلت السلطة العسكرية بإجاباتى فى اليوم التالى بأن طلبنا سينظر فيه فى أقرب وقت ممكن ولما  كانت المهمة التى أخذناها على عاتقنا تقضى بوجودنا من غير تأخير فقد حررنا أمس طالبين النظر فى ملتمسنا واليوم ورد لنا خطاب من السلطة العسكرية يتضمن انه قد حدثت بعض صعوبات لم يتيسر معها إجابة طلبنا الى اليوم وانه بمجرد تذليل هذه الصعوبات تسرع الى إجابتنا الى موضوع طلبنا.

ونظراً الى انه من الضرورى ان يكون سفرنا قبل الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر جئنا بهذا راجين من فخامتكم أن تتفضلوا باستعمال ما لكم من النفوذ لدى السلطة العسكرية لحصولنا على جوازات السفر سريعاً وفى الوقت المناسب تلقاء هذه الإجابة».

وأضاف: «جئنا بهذا راجين من فخامتكم أن تتفضلوا باستعمال ما لكم من النفوذ لحصولنا على جوازات السفر سريعاً وفى الوقت المناسب، اننا معتمدون كثيراً على تقاليد بريطانيا العظمى التى لاتزال تقدم للعالم كثيراً من الأمثلة على تمسكها بمبادئ الحرية الشخصية اعتماداً يجعل لنا الثقة فى أن طلب التصريح لنا بالسفر سيفصل فيه عاجلاً وإنا فى انتظار إجابة ملتمسنا نقدم لفخامتكم عظيم الاحترام والتبجيل.. وكيل الجمعية التشريعية المنتخب ـ رئيس الوفد المصرى ـ الإمضاء سعد زغلول.