رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

القاهرة الخديوية تنفض التراب (1)


لم يدر بخلد جوهر الصقلي وهو يؤسس مدينة القاهرة كعاصمة للخلافة الفاطمية أنها ستصبح أم المدائن بالشرق، فتصبح قبلة للعلماء والفقهاء والمثقفين. ومع القرن التاسع عشر أصبحت القاهرة، حاضنة لكل من ينشد الاستقلال عن سلطنة العثمانيين، وكان الفكر والثقافة هما ما يميزا قاهرة المعز. وقد ساهم في ترسيخ هذا هو أن القاهرة ارتدت الثوب الغربي على أيدي الخديوي إسماعيل (1830-1895م) الذي بذل كل نفيس وغال من أجل تحديثها وجعلها مدينة أوروبية المذاق، شرقية الهوى.
قرأنا الكثير والكثير عن قصص العشق والغرام في شوارع القاهرة الخديوية وفنادقها الفخمة التي كان يؤمها الحكام العرب آنذاك، ورأينا مئات الصور التي تؤكد بحق أن القاهرة الخديوية لا مثيل لها. قرأنا عن الموضة التي كانت تشتهر بها القاهرة ومحلات الموضة التي عجت بها أفلام السينما المصرية من شيكوريل وعدس وريفولي وعمر أفندي؛ وعمارة تيرينج ومحلاتها التجارية المميزة؛ وأفلام السينما العالمية التي كان عرضها الثاني يجد طريقه إلى سينمات القاهرة قبل غيرها. وتحكي حديقة الأزبكية التي تقف أطلالها شامخة تقاوم الزمان في ميدان الأوبرا لتحكي لنا عن نجوم الغناء من منيرة المهدية لفتحية أحمد لأم كلثوم لصالح عبد الحي لعبد المطلب لبديعة مصابني وغيرهم. ولا يزال شارع عماد الدين قائمًا ليقص علينا قصص كشكش بك (نجيب الريحاني وفرقته)، وتنافسه مع بربري مصر الأسمر (علي الكسار وفرقته)، وكفاح سمعة وفرقته، ويوسف بك وصولاته وجولاته مع فرقة رمسيس. وهكذا، استحقت أن يتغنى موسيقار الأجيال بـ" ليالي الشرق"، بعد أن أصبحت بحق تاج العلاء في مفرق الشرق.
بيد أن شمس القاهرة الخديوية، التي كان الغرب يتدفأ بحرارتها قبل الشرق، قد ولت منذ زمن ليس بالقريب، بعد أن كانت صاحبة الجلالة في الفن والثقافة والمال، ويكفي ميلاد الأهرام والهلال وكوردستان وغيرها من الصحف والمجلات التي صار لها شأنًا عظيمًا على أرضها!
دارت كل هذه الأفكار برأسي وأنا أمسك بين يدي دعوة محافظ القاهرة المهندس عاطف عبدالحميد لي منذ أسابيع لحضور ملتقى جمع عددًا من الخبراء المصريين والبريطانيين لتطوير سوق العتبة التاريخي، الذي هرم وشاخ وكاد يطويه الزمان، لولا تلك المبادرة الحضارية التي تحسب لسيادته وفريق عمله بالمحافظة لإحياء السوق التاريخي وإعادة ثوب الحضارة إليه بعد أن أصبح رمزًا للتخلف والعشوائية عبر عقود مضت. جلست وشاهدت واستمعت للخبراء واستمتعت. لم أصدق أن جزءً مهمًا من جسد القاهرة الخديوية سيسترد روحه ثانية، أسوة بنظائره في أسبانيا وإيطاليا وألمانيا. ولعل الأهم من كل ذلك أن الفريق الإنجليزي أكد-بالصوت والصورة- أن سوق العتبة سيصبح سوقًا عصريًا راقيًا يجمع بين الأصالة والحداثة، مع حملة لتوعية التجار على ضرورة الحفاظ على القيمة التاريخية للمكان، ليصبح رمزًا لإرادة مصر المعاصرة.
وتمر أسابيع بعدها، لأشهد إنجازًا آخر للقاهرة الخديوية لتصبح شوارعها الخديوية رمزًا للثقافة والفنون الحرة، بعد أن احتفلت محافظة القاهرة بتطوير وتحديث شارع الشريفين ليصبح كشوارع باريس الحضارية التي تحوي على جنباتها الفنانين والمثقفين أينما نظرت. شارع الشريفين الذي كان مقصدًا للمطربين والملحنين والموسيقيين، يوم أن كانت تذاع منه الحفلات على الهواء مباشرة، فهناك انطلق موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وخرجت منه دندنات العود للموسيقار فريد الأطرش والسنباطي وغيرهم.
وبالأمس أقرأ عن تحديث وتطوير مبان وعمارات تاريخية بوسط البلد تعيد للقاهرة الخديوية مجدها بعد أن نفضت التراب عن بدنها، لتصبح قبلة للفن والثقافة ورجال المال والأعمال ثانية. كل هذا يأتي ضمن مشروع المحافظة الكبير للحفاظ على التراث الإنساني للقاهرة الخديوية وإعادة وجهها الحضاري إلى سابق عهده. لذا كانت التحية واجبة لمحافظ القاهرة وإدارته ونوابه، وللسيدة د. ريهام عرام على جهودهم في الحفاظ على تراث القاهرة الخديوية، كجزء من جهود الدولة لتحويل مصر إلى دولة عصرية نفاخر بها بين الأمم.
------------
كاتب وأستاذ أكاديمي