رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لازم أتكلم

الحكمة المصرية فى الأزمة الإيرانية الأمريكية

 

 < أعجبنى كثيرا أسلوب وطريقة تعامل الحكومة المصرية مع الأزمة الإيرانية الأمريكية من جهة، والأزمة الإسرائيلية السورية من جهة  أخرى، ففى الوقت الذى يستفز فيه الرئيس الأمريكى ترامب العالم العربى بقراراته السياسية وضرباته العسكرية، التى تزيد من توتر الشرق الأوسط، نجد هدوءًا مدروسا واتزانا ملحوظا للدبلوماسية المصرية، وبات ذلك واضحاً فى أكثر من أزمة يختلقها أو يصنعها الرئيس الامريكى؛ لسكب الزيت على النار وحرق الشرق الأوسط وجعله منطقة ملتهبة، وأرضا جاهزة دائما لتنفيذ صفقاته العسكرية.

< ومن آخر هذه الاستفزازات والقرارات العشوائية «الترامبية» الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والمشاركة فى ضرب سوريا بـ 120 صاروخا، ثم قراره الأخير بالانسحاب منفردا من الاتفاق النووى مع ايران، ضاربا عرض الحائط بعواقب انسحابه وبكل مصالحه مع اوروبا والدول الغربية الموقعة على الاتفاق والأخرى المؤيدة له.

< اتخذت الدبلوماسية المصرية، موقفا رافضا ومعارضا تماما لنقل السفارة الأمريكية الى القدس، وحركت المجتمع الدولى لإدانة  القرار غير الشرعى، كما أدانت القاهرة ضرب  الشعب السورى وجعله فى مهب الصواريخ الامريكية والغربية، وطالبت بفتح تحقيق دولى للتأكد من استخدام النظام السورى لأى أسلحة كيماوية، حتى لا تتحول سوريا إلى عراق آخر ودولة ممزقة.

< وفى انسحاب ترامب من الاتفاق النووى الإيرانى، تجلت وتوهجت حكمة النظام المصرى، ترجمها بيان معتدل ومحترم لوزارة الخارجية، دعت فيه المجتمع الدولى وأمريكا وحلفاءها والقوى الاقليمية المتصارعة لجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من النووى وأسلحة الدمار الشامل، ودعت إيران إلى الالتزام  بكل بنود الاتفاق وعدم استخدامه سلاحا للحفاظ على مصالحها فى الدول العربية والغربية، فالحياد هنا ضرورة تقتضيها المصلحة العامة.   

< هذا الوعى السياسى للنظام يؤكد مدى حرصه على عدم جر مصر الى أزمات ومشاكل لا ناقة للشعب المصرى فيها ولا جمل، فقد انتهى زمن جعل الوطن مسرحا للشعارات العروبية والقومية والقرارات العنجهية التى لا تقدم جديدا، وتعيق تقدم الحكومة فى مسيرتها التنموية والاقتصادية.

< ومن موقف لآخر، يثبت النظام انه لا صوت يعلو فوق مصلحة الشعب المصرى، وأنه لا داعى على الإطلاق لإدخاله فى معارك هامشية تعانى منها دول الجيران، أو أزمات دولية لا تستفيد منها سوى الدول الكبرى وحلفائها والقائمين على خدمتها فى بعض الدول العربية.

< ويبدو أن النظام قرأ مبكرا ما جاء فى  كتاب ترامب «فن الصفقة»، واستوعب كل حروفه وما بين السطور، التى تعكس جميعها شخصية الرئيس الأمريكى وطريقة إدارته للبيت الأبيض والمصالح الأمريكية فى المنطقة، وأيضا فى أسلوب الابتزاز الذى يتعامل به  مع بعض الأنظمة العربية والاقليمية، وهو يشبه إلى حد كبير طريقة «هات وخذ» الشائعة فى قاموسنا المصرى.

< كل خطوة يخطوها ترامب مدروسة ومحسوبة ولها ثمن  وقيمة، ولا شيء يفعله لوجه الله، إلا ما يتعلق بتل أبيب وأمنها، وإن طلبت إسرائيل عينيه سيهديهما لها بلا مقابل، وما انسحابه من الاتفاق النووى إلا خدمة جديدة للإسرائيليين الذين لا ينامون الليل خوفا من القنبلة الذرية الإيرانية حتى ولو كانت لدى إسرائيل رؤوس نووية، ولم تصدق على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

< وازداد الموقف توترا وتأزما بعد تقدم حزب الله (الموالى لإيران) فى الانتخابات البرلمانية  اللبنانية الأخيرة، وحصوله مع حركة أمل الشيعية على 27 مقعدا مقابل «21» مقعدا لتيار المستقبل الذى يترأسه سعد الحريرى، فيما حصل حزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع المعارض لحزب الله على 15 مقعدا، وهو ما يعد صفعة قوية للحريرى، تعزز مكانة حزب الله سياسيا وتكرس شرعية تسليحه والإنفاق عليه من حكومة طهران، ليشكل مع فيلق  القدس سلاحا قويا ورادعا للأطماع الإسرائيلية فى لبنان والجولان المحتل، وقد وضح ذلك فى تبادل إطلاق الصواريخ بين الحزب وحكومة تل أبيب، وهو ما كان يريده ترامب ذريعة لضرب المصالح الايرانية فى المنطقة تمهيد لعقابها دوليا لإرضاء الدولة العبرية والصهيونية العالمية.

< إن مصر تدرك جيدا، أن ما يدور الآن فى الشرق الأوسط، جزء من مخطط كبير لتقسيم دوله باستخدام الارهاب تارة، والمذهبية الطائفية تارة أخرى، لتبقى إسرائيل وحدها مستقرة، كل من حولها دون سلاح نووى، وتستمر هى فى بناء وتقوية مفاعلاتها الذرية والنووية.

< ولحماية الشعب من آثار تلك الأزمات المعدة سلفا أو «سابقة التجهيز» يأتى موقف الحكومة حاملا كل فنون الذكاء الدبلوماسى والسياسى، ولا سيما فى التعامل مع تركيا وإيران وإسرائيل وأمريكا، وهى الدول التى ترتبط فيما بينها فى تحالف مخابراتى يطوق الدول العربية، وهو ما أكدته مؤخرا وثيقة مسربة للمخابرات المركزية الأمريكية تكشف عن تعاون كبير بينها وبين «الموساد» وجهاز المخابرات التركى  tmss وجهاز المخابرات الايرانى (السافاك)، الهدف منه  تبادل المعلومات والبيانات عن كل ما يحدث فى الدول العربية ونواياها ضد اسرائيل، وابلاغ تل ابيب بأى نشاط معادٍ، داخل مصر وخارجها.

< لقد أحسن النظام المصرى صنعا، بتجنبه الدخول فى اللعبة السورية اللبنانية الايرانية الاسرائيلية، لأنه يعلم جيدا أبعادها ونتائجها، والدور المتعدد الوجوه لكل المشاركين فيها، فإسرائيل تريد القضاء على النفوذ الإيرانى فى سوريا ولبنان، وهو هدف تؤيده بعض الدول العربية، وأمريكا تريد أن تثبت للعالم انها الأقوى، تتفق وتنسحب وتفعل ما تريد فى أى زمان ومكان وعلى من يخشون المواجهة دفع الفواتير مقدما.

[email protected]