رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الناصية

الثورى الأخير!

 

كانت الشمس فى هذا اليوم، من شدة الحرارة، وكأنها تمشى بين الناس، وكان أسفلت الشارع المؤدى إلى مقر حزب التجمع فى ميدان طلعت بدا أنه يعود إلى سيرته الأولى السائلة اللزجة.. حتى عندما تمكنت من الانفلات من زحام الأتوبيس القادم من الدقى إلى ميدان التحرير تمنيت أن أعود إليه وأتحمل نقص الأكسجين بداخله عن الأكسجين المشتعل فى الجو خارجه.. ولكن موعدى مع النبيل الراحل خالد محيى الدين لإجراء حوار نشر بالوفد، كان يستحق العناء!

ولكن ما إن وضعت قدمى على أول سلالم حزب التجمع حتى شعرت بالتوتر والهيبة من لقاء الرجل رغم أن حديثه معى فى التليفون كان لطيفاً ومرحباً بالحوار ولكن تذكرت أننى سوف أجلس بعد لحظات مع واحد من 13 ضابطاً بقيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، قاموا بأكبر ثورة غيرت وجه التاريخ فى مصر والمنطقة، ولا أقلل إن قلت فى العالم.. مهما اختلفنا أو اتفقنا مع هذا التغيير، ولكنه حدث بالفعل، وأن الرجل الذى سأجلس معه وينتظرنى الآن، صنع له تاريخاً موازياً لثورة يوليو عندما رفض السلطة والنفوذ برفض الديكتاتورية، وإنه لم يرتضِ لنفسه قبول أى منصب بجانب عبدالناصر، مثل كل أعضاء مجلس الثورة، مقابل التنازل عن الديمقراطية، وانحاز لمبادئه بالجلوس إلى جانب الشعب وأن يقود المعارضة اليسارية فى مصر!

وحقيقة، كان مصدر قلقى من اللقاء، ليس الصاغ خالد محيى الدين ولكن محادثة تليفونية أجريتها قبله بفترة مع قائم مقام حسين الشافعى، حيث كان حاداً، وشديداً فى ردوده بسبب أسئلتى عن عدم اختيار حسنى مبارك نائباً، وقد فاجأنى بقوله إنه بالفعل نائب الرئيس ولكن بلا رئيس.. وشعرت يومها إنه لا يزال محتفظاً ببدلته العسكرية، وأعتقد أن توجهه الإسلامى أيضاً جعله معتزاً بنفسه أكثر، وهى سمة كل الإسلاميين عموماً، ولكن هذا لا ينفى أنه كان رجلاً عظيماَ فى مواقفه من الرئيس عبدالناصر، بعد رحيله، حيث لم يتورط فى أن ينال من سيرته وكان يكن له حباً وتقديراً كبيرين.. وكذلك كان خالد محيى الدين شريفاً فى خصومته مع عبدالناصر.. المهم تصورت يومها أننى سأجد خالد محيى الدين لا يزال ضابطاَ أيضاً ولكن وجدت رجلاً مدنياً بقميص أبيض نصف كم مثل الماء صاف وعذب ما إن تنظر فى عينيه حتى ترى أعماقه.. واضح بلا شوائب ولا أحراش بداخله وليس كمثل آخرين ما تراه منهم على السطح لا يمثل سوى ربع ما يغوص فى أعماقهم!

كان خالد محيى الدين مهذباً ورقيقاً وأقرب إلى الفنان أكثر منه إلى السياسى، وهى سمة معظم اليساريين، وكان ما يحزنه أن اليسار لم يصل بالقدر الكافى إلى الطبقات التى يدافع عنها.. وتلك كانت مشكلة كل اليساريين أنهم يفشلون فى التعامل مع الناس، حيث إنهم بارعون فى الحديث عن الثقافة والفن والأدب ولكن يفتقدون التواصل مع العامة، ولذلك كانوا عادة يجندون بعضهم البعض.. الماركسيون يحاولون ضم التروتسكيين، وأعضاء ٨ يناير يحاولون إغراء العمال أو الشيوعى المصرى للانضمام إليهم.. بينما كان الإخوان خبثاء لا يتحدثون مع الناس فى السياسة ولكن يستغلون حاجاتهم بتقديم خدمات صحية أو معونات غذائية ثم يتاجرون بهم!

 وأتذكر يومها سألت النبيل خالد محيى الدين عن أسباب نجاح وفشل الثورة.. قال إنها نجحت لأننا حتى صباح يوم 23 يوليو لم تكن لنا أطماع شخصية.. ثم استأذن لأن لديه موعداً ولم يجب عن نصف السؤال!

[email protected]