رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أحوال مصرية

خالد محيى الدين.. الفارس النبيل

فقدت مصر مؤخراً فارساً نبيلاً وسياسياً رفيعاً من جيل الكبار فى الحياة الحزبية والسياسية، وآخر رجال ثورة يوليو 1952، وهو الرفيق أو الزعيم خالد محيى الدين رئيس حزب التجمع الوحدوى التقدمى الذى وافته المنية عن 95 عاماً، وبرحيله فقد اليسار المصرى مناضلاً شريفاً حظى باحترام الجميع سواء اتفقوا أو اختلفوا معه فى الرأى داخل مصر أو خارجها! والحقيقة أن خالد طراز نادر من الرجال والسياسيين.

أذكر أننى قرأت مذكراته «الآن أتكلم» منذ سنوات، فوجدت تأريخاً أميناً لمجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمصر قبل ثورة يوليو وبعدها، وكشف فى تلك المذكرات تجربته فى العمل السياسى زهاء أكثر من 60 عاماً، كما كشف خبايا الصراع بين أعضاء مجلس قيادة ثورة يوليو 1952 التى انتهت إلى إبعاده بأمر من عبدالناصر شخصياً الذى أجبره على الإقالة أو الاستقالة إبان أزمة مارس 1954 المعروفة بأزمة الديمقراطية أو أزمة «سلاح الفرسان» التى انحاز فيها خالد محيى الدين إلى محمد نجيب فى صراعه مع عبدالناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة؛ وكان نجيب يرفع شعار الديمقراطية زيفاً وكذباً بفرض سحب البساط من أعضاء مجلس قيادة الثورة وإجبارهم على الاستقالة، فى حين أن خالد كان يتبنى خيار الديمقراطية والحرية إيماناً بهما بعيداً عن أية مناصب قيادية، وأدرك عبدالناصر اللعبة، فعزل محمد نجيب فى فيلا بالمرج وأبعد خالد إلى أوروبا قائلاً له: «البلد لا تحتملنا نحن الاثنين يا خالد» فقدم خالد استقالته بالفعل واقترح الذهاب إلى فرنسا، إلا أن عبدالناصر رفض لنشاط الحركات اليسارية هناك مما يهيئ لعودته للأضواء مجدداً وهو ما ينعكس على الأوضاع السياسية فى مصر بشكل أو بآخر، فاختار سويسرا ووافق عبدالناصر، وبقى هناك حتى أوائل الستينات، حيث عاد مستأنفاً نشاطه فى العمل المحبب إليه وهو الصحافة باعتبارها نصير الديمقراطية والحرية اللتين يؤمن بهما أشد الإيمان لتحقيق التقدم للوطن.

وعبر سيرته السياسية التى امتدت قرابة الـ70 عاماً منذ أربعينات القرن الماضى وحتى رحيله، خاض خالد محيى الدين العديد من المعارك السياسية والفكرية دفاعاً عن مبادئه التى يؤمن بها فى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لم يكن يأبه من يواجه ولا حجم وقوة خصمه، كل ما يؤمن به أن تلك رسالته فى الحياة وعليه أن يؤديها مهما كانت العواقب والخسائر، وإذا كانت الصدمة الأولى التى واجهته فى العام 1954 المعروفة بأزمة سلاح الفرسان قد اضطرته إلى الابتعاد عن مصر طواعية أو كرهاً سنوات طويلة فى المنفى، فإنه واجه أزمة أخرى لا تقل فداحة عن الأولى، وهى سقوط الاتحاد السوفيتى فى العام 1991 وقبلها انهيار جدار برلين وبالتالى انهيار النظم الشيوعية فى العالم كله، كان خالد يرى أن ذلك نتيجة حتمية لبعد الدول الاشتراكية والشيوعية عن الحرية والديمقراطية ورضوخها تحت حكم الفرد وحكم الحديد والنار، ولكن كان ذلك بعد فوات الأوان.

لم يكن خالد النجم الوحيد فى عائلته، حيث عرفت الحياة السياسية والحزبية زكريا محيى الدين عضو مجلس قيادة الثورة أيضاً ورجل عبدالناصر القوى ومؤسس الثورة أيضاً ورجل عبدالناصر القوى ومؤسس جهاز المخابرات المصرية فى العام 1955 قبل أن يرأسه صلاح نصر أشهر رئيس للمخابرات المصرية حتى الآن والذى ارتبط اسمه بالعديد من الإيجابيات والسلبيات كان أبرزها انحراف جهاز المخابرات وتقديم رموزه للمحاكمة فى القضية الشهيرة فى العام 1968 ليتولى بعدها أمين هويدى إدارة الجهاز وتصحيح مساره، وكان زكريا صاحب علاقات قوية بالأمريكان بتعليمات من عبدالناصر بدلاً من وضع أوراقه كلها فى سلة الاتحاد السوفيتى، وعندما وقعت نكسة 1967 اجتمع عبدالناصر وعبدالحكيم لبحث تداعيات الكارثة، فاقترح عبدالناصر تخلى كليهما عن منصبه ووافق عبدالحكيم واقترح تولى شمس بدران رئاسة الجمهورية ووافق عبدالناصر، إلا أنه عندما ألقى خطاب التنحى في 9 يونية اقترح تولى زكريا محيى الدين رئاسة الجمهورية خلفاً له فخرجت الجماهير إلى منزل زكريا رافضة القرار ثم اندفعت إلى بيت عبدالناصر تطالبه بالبقاء وتصحيح الأوضاع حتى يتحقق النصر، وهو ما تم فعلاً، كما عرفت مصر فؤاد محيى الدين الذى تولى رئاسة الوزارة فى عهد مبارك.

وبعد عودة حزب التجمع إلى معترك الحياة السياسية بعد قرار السادات بعودة المنابر تولى خالد رئاسة الحزب ودخل فى معارك مفتوحة مع الحكومة دفاعاً عن مبادئه وكانت صحيفة «الأهالى» لسان حال الحزب تصدر مرة وتحتجب مرات بسبب تخطيها الخط الأحمر فى النقد. وفى عهد مبارك عاد خالد إلى السياسة من باب مجلس الشعب فكان من أفضل نواب القليوبية تحت القبة.

وبعد اشتداد حالته المرضية تولى رئاسة حزب التجمع الدكتور رفعت السعيد ليفقد الحزب الكثير من بريقه السياسى والنضالى بعد دخوله فى صفقات مع الحكومة، وبرحيل السعيد تدهورت أحوال الحزب وصحيفة الأهالى أكثر، خصوصاً مع اندلاع ثورتى يناير 2011 ويونيو 2013، ثم اشتدت حالة خالد المرضية حتى وافقته المنية مؤخراً.. رحم الله خالد.. السياسى النبيل.

[email protected]