رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

عن رؤساء أمريكا المتعطشين للدماء!

 

هذه السطور ليست عن الرئيس الأمريكي الحالي ترامب وضرباته التي وجهها لقلب سوريا، أو حتى عن الرئيس بوش الابن و«وحشيته» التي بدت في عملية غزو العراق، وإنما هي عن رؤساء تاريخيين لأمريكا أوجهها إلى الدكتور يوسف زيدان ومن هم على تماثل مع مواقفه بشأن الرموز التاريخية للأمة - أي أمة - وهى سطور لا تنكر على زيدان أو غيره موقفه، فله الحق فيما يرى، غير أنها تقدم نموذجا مختلفا في النظر لهذه الرموز لعله يكون مجال نظر ودرس.

فقد لا يعلم البعض منا أن واشنطن العاصمة التي نردد اسمها ليل نهار كلما ورد ذكر الولايات المتحدة هي اسم لأول رئيس أمريكي بعد الاتحاد هو جورج واشنطن. الجانب الآخر المظلم في الأمر هو ما قام به واشنطن ذاك من جرائم يندى لها الجبين في حق الهنود الحمر الذين حرص المستوطنون الجدد الذين قدموا من أوروبا وشكلوا نواة الأمريكيين فيما بعد على إبادتهم عن آخرهم، وهى عملية ربما يقوم يهود إسرائيل باستنساخها في الأراضي المحتلة وهذا موضوع آخر، وإن كان لا يمكن تمرير الأمر دون الإشارة إلى أن ذلك ربما يكون أحد أو أهم أسباب تعاطف الأمريكيين مع نشأة إسرائيل والطريقة التي تمت بها.

ويقدم لنا الكاتب منير العكش في كتابه «أمريكا والإبادات الجماعية»، وهو كتاب قديم صدر منذ نحو 15 سنة- وللمفارقة فقد وقع الكتاب في يدي ملازم غير مجمعة أرسلها الناشر رياض الريس لعرض مادتها صحفيا قبل طرح الكتاب في السوق، وإن لم تتح لي فرصة قراءته غير مؤخرا-  تفصيلات تبدو مرعبة تقضي على كافة التصورات الوهمية لدينا بإنسانية الحضارة الأمريكية ومن قاموا على إنشائها.

وحسبما يشير الكاتب بين ثنايا مادة كتابه فقد أصدر جورج واشنطن أوامره إلى أحد الجنرالات آنذاك هو جون سوليفان بأن يحيل مساكن الهنود إلى خراب وألا يصغي لنداء السلام حتى تمحى قراهم ومدنهم وآثارهم من على وجه الأرض. وكان من أقوال واشنطن المأثورة إن طرد الهنود من اوطانهم بقوة السلاح لا يختلف عن طرد الوحوش المفترسة من غاباتها وهكذا أطلق هنود السينكا عليه اسم «هدّام المدن».

إن الأوامر المباشرة  لواشنطن الأب الروحي للولايات المتحدة أسفرت عن تدمير 28 مدينة من أصل 30 من مدن هنود السينكا وهذا ما فعله أيضا بمدن وقرى أخرى حتى أن أحد زعماء الهنود الحمر قال لواشنطن ذات لقاء في عام 1792: عندما يذكر اسمك تلتفت نساؤنا وراءهن مذعورات وتشحب وجوههن، أما أطفالنا فإنهم يتلببون بأعناق أمهاتهم من الخوف.

وحسبما يذكر العكش في كتابه فقد مضى من يسمون بالآباء المؤسسين جميعا على خطى واشنطن، حتى أن توماس جيفرسون والذي يوصف بأنه رسول الحرية الأمريكية وكاتب وثيقة الاستقلال أمر وزير دفاعه بأن يواجه الهنود الذين يقاومون التوسع الأمريكي بالبلطة حتى يفنيهم أو يسوقهم وراء المسيسيبي، قائلا: نعم إنهم قد يقتلون أفرادا منا لكننا سنفنيهم ونمحو آثارهم من هذه الأرض .. إننا مجبرون على قتل هؤلاء الوحوش أو طردهم مع وحوش الغابات إلى الجرود.

أما الرئيس أندرو جاكسون الذي تزين صورته ورقة العشرين دولارا فقد كان كما يذكر العكش من عشاق التمثيل بالجثث وكان يأمر بحساب قتلاه بإحصاء أنوفهم المجدوعة أو آذانهم المصلومة وقد رعى بنفسه حفلة تمثيل بجثث 800 هندي. أما الرئيس تيودور روزفلت فقد تسامى بهذه البطولات فوصفها بقوله: إن مذبحة «ساند كريك» كانت عملا أخلاقيا ومفيدا، ذلك لأن إبادة الأعراق المنحطة حتمية ضرورية لا مفر منها.

بالطبع كان ذلك الأمر يعكس توجها عاما يمثل روح الاستيطان في ذلك الوقت، وهو سلوك امتد بالطبع إلى المهاجرين الأمريكيين وعكس روحا دموية تخلو من أي إنسانيات، حتى إن تجارة الرؤوس التي كان يتم قطعها للهنود الحمر كانت تتجاوز تجارة الذهب وكان قطع رأس الهندي وسلخ فروة رأسه من الرياضات المحببة في أمريكا في ذلك الوقت.

رغم هذه الفظائع فتاريخ أمريكا ورجالاتها يعتبر في نظر الكثيرين هو التاريخ الأمثل في منظور باقي البشر، والذين يتم إخفاء هذه الحقائق عنهم بمن في ذلك المواطن الأمريكي العادي الذي ينشأ على اعتبار أن تاريخ بلاده وزعمائه ناصع البياض. يقتضي الأمر التنويه إلى أن الوقائع والشهادات التي يوردها المؤلف موثقة وتعتمد على مصادر متخصصة أغلبها أمريكي، وهو ما يقوض لحد كبير عمليات التشكيك في مادته والتقليل من أهميتها.

مؤدى هذا الحديث هو التأكيد على أن الدخول إلى التاريخ وتقديمه للجمهور العام ينبغي أن يتم بتؤدة وبكل وعي وليس تشويه رموزه وأن هناك مستويات مختلفة للتعامل في هذا المجال، بمنطق اختلاف مستويات المتلقين من الجمهور.. فهل يعي رواد الإساءة للرموز درس هذه التجربة؟ نأمل ذلك.

[email protected]