رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الخطاب الدينى: للتجديد حدود

في قضية تجديد الخطاب الديني وإمكانياته أقدم هنا مثلاً عرضت له من قبل يتعلق بتساؤل يصب في قلب ما يمكن أن نعتبره تجديداً دينياً.. فإذا كان الله سبحانه وتعالي قد شرع للمسلمين صلاة الجمعة باعتباره يوم راحتهم.. وتغيرت أحوال البعض منهم، كالمقيمين في بلاد غربية مثلاً.. فهل يصح أن يقيموا صلاة الجمعة يوم الأحد؟ ما يتوافق مع التشريع الإلهي بأن تكون الصلاة في يوم الراحة في ضوء صعوبة أن يفرض المسلم في مجتمعات كتلك يوم راحة خاصة به وضرورة أن يلتزم بيوم الراحة المفروض عليه؟

هذه قضية واحدة من قضايا أخرى عديدة يمكن أن تثار عند الحديث عن قضية تجديد الخطاب الديني وهو ما يفرض التساؤل حول مفهوم التجديد وآليات الأخذ به وصولاً إلى موقف إسلامي يحقق هدف توافق المسلم مع حياته المعاصرة التي لا شك شهدت الكثير من التطورات والتغيرات عن تلك التي عبر عنها ما يمكن وصفه بـ«إسلام ما قبل التجديد» المنشود.

وما يمكن التأكيد عليه أن القضية ليست وليدة اللحظة أو أنه يجب اختزالها في دعوة وجهها رئيس –هو السيسي- في مرحلة فارقة من حياة المصريين، أو أنها نتاج مواجهة بين نظام دولة وجماعة دينية محددة، وإنما هي «هم» عام في عقل جماعة المسلمين تعكس أزمة توافقهم مع «الحداثة» التي شهدوا من خلالها أموراً تفوق ما يرون أن دينهم الحنيف قدم لهم أسس التعامل عليها. ومن الأمثلة ذات الدلالة في هذا الصدد ما أشار إليه أحد الباحثين من أن جدالاً دار بين طلاب مسلمين عاشوا في باريس في ستينيات القرن قبل الماضي –1860- حول جواز تبني العادات الغربية في الملبس في معرض نقاش دار حول ارتداء القبعة فكان أن أفتى أحد العلماء بجواز ذلك ما دامت لا تعبر عن أي رمز ديني، فيما ذهب آخر إلى حرمتها حتى في حالات الطقس السيئ! فيما أننا كمسلمين الآن لا نرتدي القبعة فقط وإنما قد يرانا البعض نتبع الغرب حذو النعل بالنعل، وهو مشهد قد يضعك في قلب أزمة التفكير في ماهية تجديد الخطاب الديني.

عندما حاولت أن أؤصل رؤيتي لهذا الموضوع وبالعودة إلى الكتابات التي تناولت هذا الموضوع وجدت أنها كثيرة بدءاً من كتاب لمحمد إقبال بعنوان «تجديد التفكير الديني في الإسلام»، مروراً بأخرى عديدة من بينها «حال تجديد الخطاب الديني في مصر» تحرير الدكتورة نادية مصطفى وإبراهيم البيومي غانم وكتاب «تجديد الخطاب الديني» للدكتور أحمد عرفات القاضي وليس انتهاءً بكتاب «تجديد الفكر الديني» للكويتي الدكتور أحمد البغدادي، وهي تناولات تعكس رؤي مختلفة من قضية التجديد تتراوح ما بين أقصى اليمين وأقصى اليسار.

ولأن القضية متشعبة ويصعب الإلمام بأبعادها في سطور معدودة دعونا نشير إلى أن هناك مشكلة مزدوجة تتعلق بتناول هذا الموضوع بين أطرافه المختلفة: فهناك فريق يرفض الحديث عن التجديد، أيا كان، وينظر إلي كل من يتحدث عنه نظرة الشك والريبة، ويسوق في هذا الصدد مقولة أن الإسلام أتى لكل زمان ومكان.. وكفى وعندما يتم الاستفسار منه عن التفاصيل لا تجد أمامك سوى الصمت. فيما أن الفريق الآخر الرافع لراية التجديد في أكثر معانيها انفتاحا تجد أن متابعته قد تنتهي بك إلى الانسلاخ من الدين.. وهناك نماذج عديدة يمكن استعراضها للتدليل على هذه الرؤية وهو أمر قد نفصل فيه في كتابات مقبلة. وبين هذا الفريق وذاك يمكن أن تجد فريقاً ثالثاً يركن إلى الدعة، مؤكداً أن الإسلام دين يجدد نفسه بنفسه مستشهداً في ذلك بحديث مضمونه أنه يأتي على رأس كل قرن رجل يجدد شباب هذا الدين، وهو حديث استشهد به الإمام الأكبر الشيخ الطيب مؤخرا، وهي رؤية يحيط بها الكثير من الاستفهامات

وبين هذه الفرق يضيع دم قضية التجديد وتظل الألسنة تلوكها دون أن نصل إلى نتيجة محددة. هل نحن في حاجة إلى تجديد للخطاب الديني؟ الإجابة بحسم: نعم. كيف؟ هذا ما يجب أن تتجه الجهود لتكريس الحد الأدنى من التوافق بشأنه. وباختصار وفي كلمات محددة يمكن القول إن تجديد الخطاب الديني لا يمكن أن يتم سوى في إطار هدف أساسي لا يجب أن يحيد عنه وهو أن يأتي في إطار المقاصد التي استهدف الإسلام إرساءها بشأن رسالة الإنسان على الأرض.. ورغم عمومية هذا الهدف الذي قد يبدو من الصعب أن يوجد خلاف بشأنه.. إلا أن الشيطان يكمن في التفاصيل وتلك هي المعضلة!