رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

سطور

والت ويتمان شاعر الإنسانية (٢)

«كل ما يرضى الروح هو حقيقة».. وردت تلك العبارة على لسان من أحب الانسان, وأخد الحياة بالأحضان, من لم يعامل أى شىء فى حياته معامله سطحية, ولم يأخذ أى أمر من أمور الناس بأطراف أصابعه, إنه شاعر الإنسانية «والت وايتمان» كما راق لى أن أطلق عليه فى مقالى السابق.

هذا الرجل الرائع, الذى لقب بـ «أبوالكتابة الحرة», والذى مازال يبهرنى تراثه الشعرى والصحفى  برغم مرور ما يقرب من 130 عاما على وفاته 1892م, عشق أشجار بلاده وأنهارها وعصافيرها وقرأها ومدنها وإنسانها البسيط الفقير قبل إنسانها القوى القادر, رفض طيلة حياته الوقوف إلى جانب أى شخص, أو وضع يلحق الأذى بالبشرية, وأقرأوا معى ماذا كان يقول:

«آمنت بالحرية والمساواة بين الناس, كبارا وصغارا, سودا وبيضا, رجالا ونساء, محظوظين وغير محظوظين».

وأود أن أعود إلى الوراء وأزور معكم ماضياً قريباً, لأخبركم  من خلاله بسر من أسرارى القديمة, وأنا فى مرحلة المراهقة, أعود لهذا الماضى بالفكر وليس بالجسد, لأن الجسد لا يقدر ولا يستطيع أن يقوم بتلك الزيارة أبدا, ولكن الفكر هو الذى يقدر ويستطيع دائما, الفكر ومعه التأمل, ومع الاثنين التجربة الإنسانية المتواصلة.. وأذكر أن «والت ويتمان» كان أول فارسان أحلامى منذ أن قرأت له وعنه للمرة الأولى, حيث توقفت عنده كثيرا, ورحت أسرح بخيالى بعيدا لأسافر معه فى دنياه الثرية بالإنسانية والحرية, وحدث أن قابلته مرارا فى عالم الأحلام, وكم تمنيت أن ألتقيه فى عالمى الواقعى ولو لمرة واحدة فى العمر, لأسمعه وأستمتع بنبرات صوته وإحساسه حين يقول قصيدته:

«كونى هادئة, على غاية من الهدوء والراحة وأنت معى, أنا والت وايتمان من الأحرار, قوى مندفع مثل الطبيعة, إن نور الشمس يطاردك, ولكنى لن أفعل ذلك, ومياه الأنهار تحجب عنك ما فيها من لمعان وبريق, وأوراق الأشجار تخفى عنك حفيفها الجميل, ولكن كلماتى لن تخفى عنك البريق ولا الحقيقة, إنى أتقدم اليك بتحية حارة, وأحمل إليك نظرة احترام لن تستطيعى نسيانها بمرور الأيام».

وربما ستتعجبون عندما أخبركم بأن تلك القصيدة لم يكتبها لحبيبته, بل كتبها إلى خاطئة مجهولة و قد حملت القصيدة هذا الاسم بالفعل «إلى خاطئة مجهولة» فما كل هذا الدفء والمودة والحنان فى كلماته, التى يرفض فيها القسوة , ولا يرى أن الإنسان الناجح وحده هو من يستحق الحب والاحترام, بل إن كل إنسان يستحق ذلك, حتى لو خانته الأيام, وخاب نصيبه من النجاح والتوفيق فى هذه الدنيا الصعبة.

فالا يستحق أن يكون إلا فارس الأحلام!

ومازلت أشعر بالامتنان للذى عاش حياته مهاجما لكل أنواع التعصب والديكتاتورية والفاشية مؤكداً أنه لا ازدهار بلا إرساء لقواعد الديمقراطية, والذى آمن بأن الحرية الفردية لن تجد متنفسا لها إلا فى الحب على حين تتمثل الحرية الاجتماعية فى الديمقراطية، وأن الحب والديمقراطية ما هما فى نهاية الأمر إلا وجهان لعملة واحدة هى المجتمع الإنسانى كما يجب أن يكون.

ومازال لحديثنا بقية.