رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لماذا غرقنا في شبر ماء؟

سؤال طرح نفسه الأيام الماضية...هل تعرضت مصر لكارثة طبيعية؟ فإذا كانت الإجابة بنعم، فماذا فعلت الدولة شعبا وحكومة لمعالجة تلك الكارثة؟ وإذا كانت الإجابة بلا، فلماذا الندب ولطم الخدود؟ ولماذا التطاول والتجاوز على الحكومة ومؤسسات البلد ورموزها؟ سؤالان طرحتهما على نفسي وأنا اتابع زخات المطر المتلاحقة واحدة تلو الأخرى، تغسل شوارع القاهرة المنهكة، ومبانيها الكالحة من كثرة ما رأت. وبينما أتابع الحالة العامة عبر المذياع، يهاتفني أحد الأصدقاء قائلا: سقف المول الفلاني سقط. وجاء ابني قائلا: أبي، الحمد لله أننا لم نسكن التجمع، صديقتي فقدت سيارتها الفارهة هناك بسبب الأمطار، وزميلي غرق منزله الأرضي تماما!!! وللوهلة الأولى شعرت أن هناك كارثة طبيعية حلت بمصر، وليست زخات من المطر الثقيل، التي كنت أتابعها من خلف زجاج شرفتي، كعادتي كلما أمطرت. وعلى الفور، تذكرت برلين الحبيبة ذات يوم من الشهر الماضي حينما استيقظت ذات صباح والسماء تمطر ثلجا كالعهن المنفوش snow shower ، وكم كنت مستمتعا بالسير في شوارعها والثلج يتساقط وابنتي تقذفني بكرات الثلج...سألت نفسي ، ما هذا الهلع الذي أصاب المصريين؟ أكارثة حقا وأنا لا أدري؟
تابعت الأصدقاء على الفيسبوك الملعون وجدت هذا يندب حظه، وذاك ينوح، وآخر يسب ويلعن، ورابع نصب نفسه قاضيا على الحكومة. غير أن أكثر ما ساءني هو تلك النبرة التي تعالت متهكمة على الدولة ومؤسساتها ورموزها والمطالبة بإقالة هذا الوزير أو ذاك بسبب ما حدث...دعونا نناقش ما حدث بهدوء.  
أولا: من غير المقبول تطاول أي إنسان على مؤسسات الدولة أو رموزها، فكلنا شركاء في إدارة الدولة.
ثانيا: ما حدث في مصر من تقلبات جوية نتج عنه شوية مطر تجمعوا في المناطق المنخفضة من الشوارع فقط ، لم يكن سيولا ولا كوارث طبيعية ولا أعاصير ولا أمطارا استوائية حتى يصيبنا ذلك الهلع.
 ثالثا: الكارثة الحقيقية أنه لا يوجد نظام لصرف الأمطار في شوارع مدن مصر المحروسة وقراها، وهو النظام الذي أهمل طويلا عبر الأربعين عاما الماضية، مما عرضنا لكوارث لا يجب أن تكون، وأبسطها كان كارثة الإسكندرية العام الماضي، وكارثة النطرون، وقبلها بسنوات كارثة الصعيد بسبب السيول. ولو وجدت بالوعات صرف الأمطار فهي غالبا مسدودة بسبب القمامة والأتربة المتراكمة.
 رابعا: لا مجال للمقارنة بيننا وبين دول العالم الأول، فالأمطار الاستوائية وأمطار الأعاصير التي تجتاح الولايات الأمريكية أو بعض دول أوروبا وآسيا تكون فوق طاقة خطوط الصرف ومن ثم تتكون بحيرات داخل المدن في غضون ساعات. وتقوم الدولة-من باب مسؤليتها الأخلاقية-بصرف تعويضات للمواطنين عما لحق بهم من أضرار.
خامسا: في دول العالم الأول يوجد ما يسمى بالإعلام الوقائي، وهو جزء أساسي من مكونات إدارة الأزمات والكوارث. فتجد هيئة الإرصاد تعلن مسبقا عبر محطات الإذاعة والتلفزيون عما سيحل بالبلاد من كوارث وتعلن خطط التعامل معها وتؤكد على المواطنين إتخاذ تدابير بعينها والسير أو عدم السير هنا وهناك. وهنا يجب أن نعترف أننا أبعد ما يكون عن هذا الفكر المتقدم في معالجة الأزمات والكوارث.
سادسا: مشكلة التجمع الخامس والعبور والشروق أن الشوارع رملية التربة ومتباينة الارتفاعات، مع عدم وجود خطوط صرف للأمطار، أدى الى تجمع المياه في المناطق المنخفضة منها، وربما يتحمل مسؤولية ذلك هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة والمقاولين الذين نفذوا البنية التحتية والمهندسين الذين استلموا منهم، والجهاز الذي خطط البنية التحتية للمنطقة دون الرجوع لهيئة المساحة الجيولوجية لمعرفة مخرات السيول ومجاريها وكل ما يجب معرفته عن جيولوجية التربة.
سابعا: لا يجب التهويل ولطم الخدود كلما واتتنا الفرصة، وانتهاز ذلك فرصة لجلد الدولة، والأولى أن نفكر في معالجة المشكلة وأن يدرك الشعب أنه جزء من مكونات الدولة، عليه أيضا واجبات أخلاقية؛ وفي نفس الوقت على المسؤولين أن يعلنوا مسؤوليتهم عما لحق بالمواطنين من أضرار مع صرف تعويضات لهم.
أخيرا، لعل آن الآوان أن نبدأ في إعادة تأهيل وتحديث شوارع المدن والقرى لتتواكب مع الطفرة الحضارية التي تشهدها مصر الآن، وأن يدرك رؤساء الأحياء ومجالس المدن والقرى أن إدارة الشئون البلدية والقروية تبنى على علم وخبرة ودراسة، لا على مهارات فردية أو افتكاسات لحظية.
------
كاتب وأستاذ جامعي