رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

خارج السطر

مَن قال لا أعلم.. فقد صدق

مَن يعرف ماذا؟ الزور سائد، والبُهتان طافح، والمعارف تتشعب، وتتناقض لتطمس توجهاً وتفتح نوافذ الحيرة لا حدود لها.

هذا زمن الطمس. المعلومة وعكسها. الفكرة ونقيضها. لا حقائق ثابتة وواضحة، لتُنر لنا درباً نحو الحق. لا يقين فى جانٍ، ولا ثبوت فى جريمة، وسياسات العالم يحكمها اللاعدل.

قبل عقدين من الزمن ظَنَّ عُلماء ومفكرون موصوفون بالعبقرية، أن تطور التكنولوجيا واتساع نطاق المعرفة سيحل ألغاز الكون، ويجيب عن تساؤلات الميتافيزيقا. غير أنَّ التطور المعلوماتى أثبت أن المعرفة العظيمة مفسدة أعظم. غامت الحقيقة، ولم نعد قادرين على الاختيار. صرنا مُسيّرين وأسرى بين أيدى الشركات الكُبرى الحاكمة للشبكات: جوجل، فيس بوك، وياهوو.

 قبل أيام صدر كتاب بعنوان «تسوّس الحقيقة» لمؤلفه مايكل ريتش رئيس مؤسسة راند للبحوث، وجينفر كاليفاغ، ليؤكد ذات المعنى. يشير الكتاب إلى أنَّ القدرة العقلية للناس تتوتر بسبب كم المعلومات الوفيرة المتدفق عبر الإنترنت ووسائل الإعلام. وصار من العسير التمييز بين الحقائق والتوجهات.

بتطبيق عملى ليس لدينا يقيناً بشأن ما يحدث فى سوريا، أو اليمن، أو حتى ليبيا. مَن القاتل ومَن البطل؟ هل استخدم الأسد أسلحة كيماوية ضد شعبه؟ أم هى مؤامرة مُصطنعة لتبرير قهر سوريا؟ هل توجه أمريكا داعش، وإن لم يكُن فلماذا تركتها تتوسع؟ وإن كان، فلم تضربها؟ هل هُناك صفقة قرن أم هو مجرد عنوان إعلامى فقط؟ وماذا تعرف أجهزة المُخابرات، وتكتمه عن الناس؟

تتوالى التساؤلات المُنفجرة ليفتح كل سؤال مجموعات مُحيرة من الأسئلة. الآن وبالأمس القريب والبعيد. هل صدام حسين بطل أم عميل انتهى دوره؟ وهل المُجاهدون الافغان كانواً مُجاهدين بالفعل أم هُم مُرتزقة استخدمتهم السى آى إيه فى خربشة الأسد العجوز السوفيتى؟ هل كان خالد الإسلامبولى وزملاؤه هم وحدهم مَن قتل الرئيس السادات أم أن هُناك آخرين خلف الستار؟

فى عصر الفيمتو ثانية، والسماوات المفتوحة صارت الحقائق أكثر طمساً من ذى قبل. لا نهايات دامغة. التوجيه أعلى مما نتصور. يقول ريتش ورزميلته فى كتابهما «إن تقنيات الإعلام الجديدة لا تؤدى إلى تفاقم التحيزات المعرفية فحسب، بل تعزز تغلغل الاستقطاب فى جميع أنحاء المشهد الإعلامى». ويضيف الكتاب قائلاً «حتى فى الجامعات لا توجد حقائق نهائية. ما يقوله الجامعيون مُجرد تفسيرات فقط».

عندما صك المفكر الأمريكى فوكوياما مصطلح «نهاية التاريخ» سنة 1992، ظن أن العالم يصلح نفسه بنفسه بانتشار الديمقراطيات وتوسع الليبرالية وخفوت الحرب والصراع. بعدها بقليل، اندلعت حروب، وتفجرت دماء، وانقلبت ديمقراطيات إلى أنظمة مستبدة، وصعدت قوى فاشية إلى السُلطة فى مُجتمعات قيل إنها ليبرالية.

سقطت نظريات وتبدلت صور ومفاهيم عديدة من إيجابية إلى سلبية. نُسيت أفلام تمجيد المُجاهدين الأفغان التى أنتجتها هوليوود، وصُنعت أخرى عن وحوش دموية تقتل باسم الجهاد.

الخرائط تُطمس مثل الحقائق تماماً. لم يعُد أحد يعرف حدوداً لبلد كان اسمه العراق. لم تعُد هناك دولة اسمها ليبيا. السودان، اليمن.

الشركات الحاكمة تضغط، تُخطط، تُغير، وترسم مُستقبل الشعوب والأوطان. غير أننا كما نحن دائماً مُنغمسون فى عوالم أخرى. نستهلك ونقلد ونطيع. نُثرثر ثُم نُثرثر ولا شىء آخر.

لا موقف لى لأكتبه عن سوريا أو العوالم المُحيطة. لا أعرف الحقيقة.

هو وحده يعلم. الله أعلم.

[email protected]