المثقفون المزيفون: النصر الإعلامي لخبراء الكذب

 

قبل أن تقرأ، هذا العنوان ليس من عندي، وإنما هو اقتباس لعنوان كتاب بالفرنسية للمفكر والأكاديمي باسكال بونيفاس صدرت ترجمة عربية له عن دار نشر سورية، والهدف من تناوله ليس إسقاطًا على واقعنا، بأي حال من الأحوال، صحيح أنه قد يبدو للقارئ أن هناك تشابهًا، وهو أمر طبيعي، باعتبار أن السلوك البشري لقطاع من الأفراد في مجال معين (الطب – الهندسة – الصحافة أو غيرهم) قد لا يختلف كثيرا بين بيئة وأخرى، وإنما الهدف رصد ما يمكن اعتباره مؤشرات عامة على الدور السلبي لقطاع من المثقفين من خلال النموذج الفرنسي الذي يقدمه الكتاب.  

الكتاب يفضح كيف يصنع الإعلام خبراء في الكذب واستحواذ فئة من الصحافيين والمعلقين والمثقفين من عديمي الضمير على الفضاء الإعلامي والثقافي الفرنسي وقلبهم الحقائق بهدف توجيه الرأي العام نحو قناعات أيديولوجية أحادية البعد، وخاصة برنار هنري ليفي، اليهودي الأصل وجماعته.

والغريب كما يقول الناشر أن أربع عشرة دار نشر من كبرى دور النشر الفرنسية رفضت نشر الكتاب، في فرنسا بلد الحريات، وهو ما قد يشير إلى أن الحريات ليست مطلقة في أي مكان دون أن يكون ذلك بالطبع مبررا لقمعها في مناطق أو دول أخرى. وحسبما يذهب بونيفاس في كتابه فإن عدم النزاهة الفكرية لها نجومها في فرنسا والغريب، كما يشير، أنهم يحظون بالتكريس الإعلامي. ويعرب بونيفاس عن شعوره بالتبرم والضيق من عدم تورع هؤلاء الخبراء عن إطلاق الأكاذيب من أجل حصد التأييد واصفا إياهم بأن وقاحتهم وانعدام ذمتهم تبدو بلا حد.

إن المنطق الأساسي الذي يحكم المثقفين المزيفين هو استخدام قدراتهم العقلية التي حباهم بها الله والتي استطاعوا تنميتها من خلال تحصيلهم ودأبهم على القراءة والتعلم في تبرير ما قد لا يقتنعون به من أجل الحصول على الجاه والمنصب، والعيش في رخاء يمكن لهم تحصيله لو سلكوا سبلا أخرى، إنه منطق السفسطة، والذي قد يتطلب الدفاع عن الموقف ونقيضه بين لحظة وأخرى دون حياء أو خجل، ودون شعور بأنهم بذلك يساهمون في تضليل الجمهور الذين يرفعون راية ضرورة النهوض بوعيه وإخراجه من حالة الجهالة التي يرون أنه يعيشها.

وتقوم آليات هؤلاء المثقفين المزيفين على السعى إلى إقناع المشاهدين أو المستمعين أو القراء بحجج هم أنفسهم لا يصدقونها ، هم لا يؤمنون بشيء سوى أنفسهم، ينتسبون إلى قضايا ليس لقناعتهم بصحتها، بل لأنها في تقديرهم واعدة ولها مردود هام وتسير في اتجاه الرياح السائدة.

والمهم بالنسبة لهؤلاء المثقفين المزيفين هو أن الغاية تبرر الوسيلة، وهم يرون أن الجمهور العريض ليس ناضجا بما يكفي لكي يتحسب للطوارئ وأنه من المناسب توجيهه ولو بوسائل لا تنطبق عليها كثيرا معايير الأمانة.

يبدو بونيفاس الفرنسي، وكل بونيفاس على شاكلته في أي دولة أخرى، ناعيا على أن فضيلة الشرف والكرامة لم تعد تقابل بالاحترام وهى التي كانت توضع دوما في مقدمة الفضائل. وفي محاولة رصد تأثير هذا التوجه يؤكد بونيفاس على أنه عندما تكذب النخب على هذا النحو، فإنه علينا ألا نستغرب إعراض الجمهور عنها، مشيرا إلى أن القطيعة بين هذا الجمهور، وبين النخب تكبر وتزداد، وأن هؤلاء المثقفين بذلك يمهدون الطريق لمن يصفهم بالديماجوجيين، الأمر الذي يعتبره خطرا على الديمقراطية، وقد يقوضها في مرحلة من المراحل.

ومن المفارقات التي تدعو للأسى أنه إذا كان من المفترض أن تكون عملية البحث عن الحقيقة هي التي توجه المثقف، فإنه في قيامه على مهمة الدفاع عن قضية معينة إنما يفعل ذلك من أجل أن يستخدمها لتحسين شهرته وشعبيته وحيزه الشخصي في المشهد الفكري أو تحسين مبيعات كتبه.

الأسوأ، حسب بونيفاس، عندما تتحول النزعة الأخلاقية إلى مكارثية حقيقية موضحا أنه ربما يميل البعض إلى اعتبار الخصم كائنا لا أخلاقيا يجب محاربة حججه وحتى منعها وليس احتواءها فقط ما ينتهى معه الأمر إلى وجود مثقفين يعتبرون معارضيهم أعداء باسم الأخلاق، الأمر الذي لا يمكن وصفه سوى بأنه نوع من الإرهاب الفكري من قبل هؤلاء المثقفين.

هل أصاب بونيفاس الحقيقة؟ نعم، وإن كان الأمر يتطلب مزيدًا من البحث على تجارب دول أخرى كثيرة، وهى تجارب ربما يتميز واقعنا العربي بثرائه بها وربما يساعد على تقديم ما لم تقدمه تجارب أخرى من نماذج بالغة الدلالة على دور المثقفين المزيفين في تزييف وعي الناس!

[email protected]