رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أحوال مصرية

التمدد الإقليمى لمصر.. ضرورة أم رفاهية

أثار الزميل محمد أبوالفضل الكاتب بالأهرام الجدل عقب مقال كتبه بالجريدة العريقة مؤخرًا حول التمدد الاقليمى لمصر، طالب فيه مصر بضرورة التحرك شرقا وغربًا وشمالاً وجنوبًا فى الشرق الأوسط لاستعادة ريادتها العربية ومكانتها الحقيقية فى المنطقة استنادا إلى موقعها وتاريخها وثقلها الاقليمى ولمواجهة التمدد الايرانى وأحلام تركيا باستعادة أمجاد الدولة العثمانية، كما عرض الزميل وجهة نظر أحمد أبوالغيط أمين عام جامعة الدول العربية المناهضة لفكرته والتى تتلخص فى ضرورة انكفاء مصر على ذاتها الآن لاستكمال البناء فى الداخل، محذرا من وبال التمدد الاقليمى لمصر باعتباره أم الكوارث استنادًا إلى تجربة مصر أيام محمد على وعبدالناصر، حيث لقى التمدد الاقليمى لمصر وقتها على يد الزعيمين الكبيرين هزيمة ساحقة أمام بريطانيا وفرنسا وتركيا خصوصًا بعد معركة نافارين البحرية 1840 التى أجبرت مصر على تقليص جيشها والانكفاء داخل افريقيا فقط متخلية عن كل الفتوحات التى قامت بها فى آسيا وأوروبا، وتكرر نفس الأمر مع الزعيم الراحل جمال عبدالناصر رائد حركات التحرر الوطنى فى الستنيات والذى لقى مشروعه الوحدوى بالتمدد الاقليمى لمصر هزيمة ساحقة على يد إسرائيل وأمريكا فى يونيو 1967 مما أدى إلى احتلال إسرائيل سيناء والجولان والضفة والقدس وهكذا وفقا لرأى أحمد أبو الغيط - كان التمدد الاقليمى لمصر وبالاً عليها مرتين وبالتالى لا داعى لتكرار الخطأ والوقوع فى نفس المصيدة لأن الغرب لن يسمح لنا بالنمو والتمدد والانتشار والحل الوحيد فى رأيه هو الانكفاء على الذات وتطوير القدرات والامكانات المحلية بدلاً من مغامرات لا تحمد عقباها، والحقيقة فى رأيى أن قضية التمدد الاقليمى لمصر الآن تستحق النقاش وهناك العديد من الملاحظات حول القضية يمكن تلخيصها فى الآتي:

- مصر دولة اقليمية كبيرة وهى إحدى الدول الفاعلة فى المنطقة قديما وحديثًا، وبالتالى لا يمكن حصر أدوارها داخل حدودها الجغرافية الضيقة، ولا يمكن الاستناد أيضا إلى تجربتى محمد على وعبدالناصر خوفًا من تكرار التجربة، فاذا كان محمد على قد لفت إليه أنظار الدول الكبرى فلأنه تجاوز المدى الذى يمكن لمصر الوصول إليه، بمعنى أنه وصل إلى نقطة كان لابد أن تؤلب العالم عليه بحصاره الاستانة - عاصمة الدولة العثمانية وقتها - ووصول القوات المصرية إلى حدود القرم فى روسيا والنمسا فى أوروبا، وبالتالى كان لابد أن تتخوف منه الدول الكبرى وقتها، إنجلترا وفرنسا اللتان تحالفتا مع تركيا لتدمير الأسطول المصرى فى موقعة نافارين واجباره على العودة إلى حدود قارة افريقيا. أى أن محمد على بفتوحاته الكبيرة والتى فاقت فتوحات العثمانيين والمماليك معًا لفت أنظار العالم لخطورته، وإذا كان محمد على أخطأ هنا فإن عبدالناصر نفسه لم يتعلم الدرس فى ستينيات القرن الماضى حين أقبل على تحدى أمريكا والغرب ثم إسرائيل وأرسل نخبة قواته إلى اليمن لنصرة عبدالله السلال ضد الإمام حميد الدين، وبالتالى أصبح مكشوفا أمام أى مؤامرة غربية ضده، وهو ما حدث فى يونية 1967 حين أقدم على إغلاق مضيف تيران وصنافير وطرد قوات الأمم المتحدة من سيناء فاتخذت إسرائيل ما حدث ذريعة لاحتلال سيناء والمثير فى الأمر أو المحزن حقًا أن عبدالناصر لم يكن ينوى الحرب فعلاً وكان يقوم بمغامرة سياسية تحولت إلى هزيمة قاسية بكل معنى الكلمة لم يواجه الجيش المصرى هزيمة قبلها، بل أنها أسوأ هزيمة لجيش فى التاريخ كما يؤكد المؤرخون، وبالتالى الاستناد إلى تجربتى محمد على وعبدالناصر فى الخوف من التمدد الاقليمى ليس له ما يسنده على أرض الواقع.

- الحقيقة الثانية أن التمدد الاقليمى قبل بناء الداخل يعد مغامرة بكل المقاييس أيضا، لابد أن يكون لك فائض قوة، فائض انتاج، فائض عبقرية وتخطيط ثم تنطلق إلى الخارج وأرجو الا يذكر لى أحد أن الجيش المصرى ترتيبه العاشر على العالم الآن، لأن الجيش لا يصنع السلاح بل يستورده حتى أن مصر أصبحت ثالث دولة فى العالم فى استيراد السلاح بالعالم خلال السنوات الأخيرة، وعندما يتحسن الاقتصاد المصرى ويبدأ فى الاعتماد على التصنيع والزراعة والسياحة ويحقق فوائض ويقل العجز فى ميزان المدفوعات وعندما نبدأ تصنيع السلاح بأنفسنا ونصنع الطائرة والصاروخ والدبابة بأحدث المواصفات العالمية! ونقوم بتصدير تلك المنتجات للخارج وننافس الدول الكبرى، وقتها يمكننا الحديث عن التمدد الاقليمى لمصر.

- استعادة المكانة شيء والتمدد الاقليمى لمصر شيء آخر، ومصر يجب أن تستعيد مكانتها فورًا استنادًا إلى حقائق الجغرافيا والتاريخ، وباعتبارها قلب العروبة وأم الدنيا، ولكن هذا يعتمد على القوة الناعمة أما التمدد الاقليمى فيتطلب القوة الصلبة التى لا تتوافر إلا بالسلاح والانتاج.