رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رحلة البحث.. عن السعدني

 

 

دوخنا دوخة الأرملة ونحن نبحث عن مكان جرة للولد الشقى بين السجون، وسألنا طوب الأرض عن المكان الذى يحتجزون فيه السعدنى، ولكن خاب أملنا فى العثور عليه فى الوقت الذى بدأت فيه الجرائد تشن حملة عجيبة على السعدنى.. وكانت الأهرام فى مساحة عزيزة على النفس قد اختصت السعدنى بالنقد والهجوم والتجريح من خلال كاريكاتير عمنا وتاج راسنا صلاح جاهين، عندما رسم السعدنى وأطلق عليه لقب الفهلوى.. وبالطبع كان وضع السعدنى فى قضية مراكز القوى متهماً بقلب نظام الحكم أمراً عجيباً لأن السعدنى لا يملك أسلحة ولا دبابات ولا طيارات ولا سفناً عابرة حتى لترعة سبك على الرياح المنوفى، فقد كانت كل أسلحته هى لسانه السليط وخفة ظله المنقطعة النظير ونكاته التى أطلقها على الرئيس السادات فدارت فى الفلك ليسمعها القاصى والدانى، والبركة فى التسجيلات التى تفنن كل جهاز من أجهزة الحكم الناصرى فى وضعها للتنصت على بقية الأجنحة الحاكمة.. والحق أقول إن الرئيس السادات كان كريماً مع الولد الشقى، سخياً إلى أقصى الحدود، متسامحاً كما شيوخ الدين المترفعين عن الصغائر.. لأن ما حكاه ورواه السعدنى من نكت بشأن السادات كان كفيلاً لو قيل مثلاً فى حق عبدالناصر أن يلقى بالسعدنى فى أقصى مكان خلف قرص الشمس.. ولكن السعدنى الصحفى الأوحد فى قضية مراكز القوى أصبح له أعداء فى نفس الكار.. فقد كان السعدنى الصحفى المحبب إلى القادة المتنفذين، وعلى رأسهم شعراوى جمعة، محمد فائق، والذى أصبح بمثابة الفرخة بكشك لدى رأس النظام نظراً لأن السعدنى يكتب كلاماً يفهمه الناس وتنشكح له قلوبهم، وفوق ذلك كان شوكة فى حلق الفاسدين والمفسدين فى زمان كان الكلام فيه غير مسموح، حتى عملية فتح الفم نفسها لم يكن مسموحاً بها إلا عند طبيب الأسنان.. فقد كتب السعدنى مسلسلاً إذاعياً اسمه «الجدعان» انتقد فيه سلبيات المحليات والعملية الانتخابية التى تجرى حسب المحسوبية وشيلنى وأشيلك وراعينى قيراط أراعيك قيراطين.. ونال هذا العمل الإذاعى الذى كتبه السعدنى وأخرجه محمد علوان ولعب دور البطولة فيه الفنان محمد رضا إعجاب الرئيس عبدالناصر.. وفى الإذاعة توالت أعمال السعدنى «بنت مدارس» ومسلسل «الولد الشقى» وأيضاً «الشيخ لعبوط» الذى لعب فيه دور البطولة الفنان الجميل إسماعيل ياسين، وكان لهذا العمل صدى عربى خطير، فعندما قابل السعدنى الشيخ زايد بن سلطان فى دولة الإمارات عام 71 صارحه الشيخ زايد بأن العمل الإذاعى ساعده كثيراً على القضاء على الشيخ شخبوط، ويومها اندهش السعدنى للربط بين المسلسل الإذاعى الشيخ «لعبوط» وانتصار الشيخ زايد على شقيقه الشيخ شخبوط، ويومها قال الشيخ زايد إن الناس ظنت أن المقصود بالشخصية هو الشيخ شخبوط الذى كان حاكماً لإمارة أبو ظبى والذى لم يحقق أية شعبية نظراً لابتعاده عن الناس وتكويشه لنفسه على موارد الإمارة.

وانتقل السعدنى أيضاً إلى التأليف التليفزونى فكتب مسلسل الأفريكى، الذى شهد الظهور الأول للنجم الأسمر الجميل المطرب «محمد حمام»، والذى لعب بمقدرة وحرفنة دور العسكرى الأفريقى الذى جاء إلى مصر فى الحرب العالمية الثانية ضمن الفرقة الأفريقية فى الجيش البريطانى واندمج مع أهل مصر وأحبهم لدرجة العشق، ولعب بطولة العمل أيضاً الفنان الشعبى محمد رضا.. ولأول مرة يظهر على شاشة التليفزيون فنان أصبح له شأن عظيم بعد ذلك هو سيد زيان مع الثنائى الرائع سعيد صالح وصلاح السعدنى، لقد كان انتشار السعدنى مدوياً، وكانت لغته بسيطة ومفهومة ومهضومة، وكان منطقه عميقاً أيضاً، وكان انتماؤه وانحيازه دائماً إلى جانب البسطاء.. وفى المسرح كتب السعدنى خمس مسرحيات، هى «فيضان النبع» و«الأورنس» و«النصابين» و«البلوبيف» وأخيراً «بين النهدين». وكان القاسم المشترك الأعظم فى كل هذه الأعمال هو الفنان محمد رضا.. ويشاء القدر أن يتم القبض على السعدنى وروايته تعرض على مسرح «متربول»، وكان اسم الفرقة المسرحية التى قدمت كل أعمال السعدنى هى فرقة «ابن البلد المسرحية»، وكان مجلس إدارتها مكوناً من عدد من أبناء البلد، منهم الحاج إبراهيم نافع والحاج سيد مخيمر والحاج سرور أبو هاشم، والشىء الغريب أن فرقة السعدنى كانت تنافس فرقة الفنانين المتحدين لصاحبها الفنان الكبير سمير خفاجى، وكان مسرح السعدنى يشهد إقبالاً غير مسبوق والرواية تحقق إيرادات فلكية بأبطالها محمد رضا وعبدالسلام محمد ومحمد شوقى وآمال زايد وسناء جميل وسناء مظهر والفنانة اللبنانية حبيبة، لكن بمجرد ورود أنباء عن محاولة الانقلاب وتوجيه التهمة إلى السعدنى لم يعد أحد حتى من العاملين بالمسرح يتوجه إليه أو يمشى فى الشارع الكائن به، أو يسأل عن أحد من زملائه وأغلق المسرح أبوابه على الرغم من حضور جميع الفنانين عدة أيام متتالية، ولكن لعدم وجود عاملين ولا متفرجين تقرر تصفية العمل وأسدل الستار على آخر مسرحية للسعدنى.. أما كتبه التى كانت من أكثر الكتب مبيعاً فقد اختفت من الأسواق، ليس بأوامر حكومية ولكن بالحس والفطنة وذكاء تجار الكتب الذين هم على درب الحكومة سائرون ينفذون أوامرها حتى قبل أن تفكر فيها.. حتى مكتب السعدنى فى مجلة صباح الخير أغلقوه بالضبة والمفتاح، وكان يشغل حتى وقت إلقاء القبض عليه منصب رئىس تحرير مجلة «صباح الخير» بالمشاركة مع الكاتب الكبير لويس جريس الذى كان يأتى فى المسئولية بعد السعدنى.. وتعرض الأستاذ لويس لكسر فى ساقه.. ربما يكون كسراً «سياسياً» لكنه قبع فى منزله.. وهى عادة سوف تجدها دائماً ملاحقة للأستاذ لويس خصوصاً إذا ما شعر بالخطر فإنه يلجأ إلى نفس الحيلة التى تلجأ إليها النعامة بدفن رأسها فى التراب.. وبدأت الحملة على السعدنى تصل إلى أشدها من خلال الصحف ظناً أن السعدنى كان مخططاً له أن يقفز على الأهرام، وسيطر هذا الظن على الأستاذ محمد حسنين هيكل.. وتدخل بعض الرؤساء العرب لدى الرئيس السادات من أجل السعدنى لتخفيف الحكم عليه أو العفو عنه، ولكن رد السادات على جعفر نميرى ومعمر القذافى: «أنا بس ح أقرص ودنه علشان قلة أدبه.. ولسانه.. اللى عاوز قطعه».. ولكن حكاية الأهرام هذه لم تفارق على ما يبدو خيال العم العزيز الغالى محمد حسنين هيكل.. فقامت صحف الأهرام والأخبار أيام عمنا موسى صبرى بشن أقصى هجوم على السعدنى.. وحتى لو لم يكن السعدنى صحفياً ألمعياً فقد كان الهجوم العنيف سيطال شخصه باعتباره أن الخاسر دائماً فى الصراع على السلطة مسموح بتكسير عظامه ولعن سنسفيل جدوده.. وعلى رأى السعدنى: يا ويل الخاسر فى بلادنا الميمونة سينال الجزاء الذى سيلقاه حرامى المولد.. والجرسة التى كان المماليك يجرسون بها الأعداء.. ولا أخفى عليكم أن قسوة الهجوم جعلتنا نضع أيدينا على قلوبنا ونطلب من العلى القدير أن يرأف بحال السعدنى، ولم يعد لنا من ملجأ سوى بيوت الله وأوليائه الصالحين.. وقد يسألنى أحدهم: وهل كان السادات هو الذى يدير القضية والخلاف مع مراكز القوى ومن بينهم السعدنى، أم كان هيكل هو المحرك الأكبر؟ أقولها ويؤيدنى فى ذلك ما استمعت إليه من شهادات لأصدقاء الولد الشقى ومن بينهم فريد عبدالكريم وآخرون أن هيكل كان المهندس الأكبر للانقلاب الذى حدث على الجناح الناصرى، وأن قضية السعدنى بالذات حازت على نصيب طيب من فكره وتدبيره، أما بالنسبة للآخرين فقد كان لعلاقاتهم بالرئيس السادات أسوأ الأثر فى الأحكام التى وقعت فوق الرؤوس ولذلك كان للسعدنى نصيب من غضب هيكل ومن غيظ السادات معاً.. وحكاية هيكل مع السعدنى وعلاقته معه تستحق التأمل لأن الخلاف لم يستطع أن يتسلل ليفسد ما بين الساخر الأكبر والكاتب الأعظم!! وعندما فشلت كل الجهود فى العثور على السيرة أو معرفة أى أخبار عنه جاءت إلينا ستى أم محمود وصحبتنى مع أمى إلى بيت مكون من طابق واحد وله باب خشبى مشغول بأويمة فريدة في شكلها تتوسطه ذراع حديدية، هذه الذراع تستخدم فى طرق الباب بطريقة لا تسبب إزعاجاً على الإطلاق، وتم فتح الباب من قبل سيدة عجوزة بدينة تمشى مشية الأوزة ليس فخراً ولكن بفضل أرطال اللحم التى تتدلى من جسدها.. بإشارة من رأسها ردت السلام وتقدمتنا نحو غرفة فيها كنبتين استنبولى صعدت لتجلس على إحداها وأشارت لنا بالجلوس على الثانية المواجهة لها تماماً. واستدارت نحو يمينها حيث كان هناك سبرتاية وعدة القهوة.. وعملت فنجاناً من القهوة أشارت إلى أمى بأن تسرع فى تناوله وكان لها ما أرادت وكنت أنظر لهذه الحاجة فى ريبة وبدورها اكتشفت الست إياها أننى ارتاب فى أمرها أو بمعنى آخر خرجت منى إشارات تفيد خوفى مما يجرى من حولى.. ومدت الست يدها وأخذت من أمى الفنجان وقلبته فى الطبق الصغير وانتظرت قليلاً لتعدل الفنجان ثم بدأت تتأمل خطوطاً ورسومات داخله.. قمت من الكنبة التى أجلس عليها واتجهت نحوها واكتشفت أنها لا تنظر إلى الفنجان فعيونها مغلقة وهى تسترق السمع إلى عالم ربما يتجاوز المكان الذى نحن فيه.. وهنا قلت لستى دى مش شايفة.. ونهرتنى ستى وسيطرت نيران غضب خرجت من عينى السيدة إياها التى كانت تسكن قريباً من محل أبو حجر الشهير بتاع السمك.. وحارة الفلاحين فى الجيزة وبدت السيدة وكأنها تستمع إلى كلمات تأتيها من عالم آخر.. وبدأت فى الحديث للمرة الأولى وقالت فى نقطتين يمكن شهرين ويمكن سنتين.

وهنا ضربت أمى على صدرها بكلتا يديها ولكن الست البدينة نهرتها بنظرة بالغة الصرامة.. فصمتت أمى وانهارت دموعها هى وستى وانقبض قلبى الضعيف وقالت الست التى تتحدث مع قوى من العالم الآخر.

الموج ح ياخدكم لبلاد بعيدة لكن منصورين فى آخر الرحلة ح يبقى أحسن م الحال اللى خرج عليه.. ووضعت الفنجان الذى لم توجه بصرها إليه على الإطلاق ودست لها ستى اتنين جنيه فى يدها وانصرفنا، وانهارت أمى ودخلت فى نوبة بكاء هستيرى وأنا معها ولكن ستى أم محمود المحطمة من الداخل والمتماسكة من الخارج شأنها شأن السعدنى تماماً فى الأوقات العصيبة قالت: يا أم أكرم الست دى «متصلة» ومحمود قدامه سنتين وربنا يفكها عليه وأرادت ستى أن تخفف عليها فقالت: ما هو كمان شتم الراجل الكبير وروت لنا ستى أم محمود إحدى النكات التى أطلقها السعدنى على الرئيس السادات وهى نكتة لا تصلح للنشر على الإطلاق ولكنها كانت كفيلة بأن تخرجنا من حالة الهم والغم والاكتئاب إلى الضحك الهستيرى.