رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نظرة للمستقبل

"ليس للإنسان إلا ما سعى"

 

أبدأ مقالتى بالآية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم (وأن ليس للإنسان الا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى، ثم يجزيه الجزاء الأوفى) {النجم ٣٩ } فلابد للإنسان أن يسعى دائما للخير والتفاؤل وبر الوالدين، لأن جزاء الإحسان إحسان. كنت أظن حتى فترة قريبة أن الموت واحد والفراق واحد والمرض واحد حتى قارنت سنتى الماضية بما أعيشه الآن.

فبعد دراستى للاستراتيجية والأمن القومى بأكاديمية ناصر العسكرية أصبح لدى اختلاط وثيق بالمؤسسات العسكرية والندوات التثقيفية والاحتفالات إلى تقام تكريما للشهداء وزيارات لمصابى العمليات الحربية بالمستشفيات العسكرية.. كانت حياتى مليئة بموتى.. شهداء ومصابين بإصابات خطيرة منهم من فقد طرفا من جسده.. منهم من فقد بصره ومنهم من فقد أطرافه جميعا.. ومنهم من يتعايش مع شظايا على قفصه الصدرى إذا تحركت ستودى بحياته فى اى لحظة.. أكثرهم شباب لم يتخطوا سن الثلاثين.. كنت أرى فى عيون أهالى الشهداء مع ألم الفقد ووحشة الفراق فخرا وعزة.. أم الشهيد ترتدى الأبيض تحاول أن تكتم دموعها.. تتحجج بأن دموعها من خوفها أن تكون الرصاصة آلمته عند الموت وليست دموع فقدان ولدها.. لا تبخل به على الشهادة مستبشرة بأنه الآن فى منزلة عالية مع النبيين والصديقين وحسن أولئك رفيقا ومنتظرة شفاعته لها ولسبعين من أهل بيته فى الجنة وكذلك حال المصاب.. يفخر بدمائه التى نزفت لتروى هذه الأرض وبطرفه الذى فُقد من جسده ليضع دعامة يرتكز عليها وطنه.. وكذلك أهله مع حزنهم الشديد على ولدهم شديدو الفخر به وبما فعله.

والآن وقد أصبحت طبيبة امتياز أشاهد يوميا فى مستشفى الطوارئ موتى ومصابين منهم من كان ذاهبا إلى عمله ونفذ أمر الله قضاء وقدرا، ولكن نسبة كبيرة من الوافدين على المستشفى إما مشاجرة بين مجموعة من الشباب على مخدرات فى غالب الأمر أو على أى سبب آخر أدت بأن واحدا منهم أو أكثر من واحد يأتى إلى المستشفى بجروح قطعية متعددة تغطى رأسه وذراعيه وظهره وقدميه.. إما مدمنون فقدوا الوعى بسبب تسميم المادة المخدرة لهم وبين الحياة والموت وأبشعهم على الإطلاق حالات الانتحار المتعددة التى أراها يوميا آخرهم شاب فى الواحدة والعشرين ألقى بنفسه من الدور الخامس.. رأيت عندها فاجعة أهالى هؤلاء الشباب وانكسارهم حتى خيل إلى أن والده الذى لم تعد قدماه تسندانه من هول الصدمة وكل من حوله يسندونه لا يستطيع استيعاب أن ولده قد مات.. منتحرا... سيلحق به من شدة الحزن وأن قلبه لن يحتمل هذا الألم، سمعت صرخات مدوية تغطى أرجاء المستشفى لم تكن فقط من وجع الفراق بل كان وجعا مليئا بالأسف والخوف على ابنهم مما أفحم نفسه فيه من أن ينتحر ويقوم بأمر الله ويتخلى عن حياته.. من موته كافر أو غيره مدمن أو غيره فى مشاجرة لا يستطيعون حتى ان يطمعوا فى رحمة الله بأبنائهم بعد الشر الذى أقحموا انفسهم فيه.. وأتعجب من حال هؤلاء الشباب.. من يأسهم واستهتارهم بأرواحهم وأجسادهم.. ألم يسمعوا قط قول الله تعالى فى سورة يوسف (وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (87) أو قول نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام «أنت ومالك لأبيك».. كيف يمكن لشاب أن يدفعه استهتاره أن يحطم فى لحظة بإدمانه أو بانتحاره أهم مشروع استثمر فيه والداه.. هذا المشروع يوم قررا أن يأتيا به إلى الحياة وهم على دراية بأنهما سيضطران لتحمل أعباء ومسئوليات تفوق قدراتهما ومع ذلك أصرا على تنفيذ قرارهما، لأنهما وجدا سعادتهما فى وجوده بجانبهما وأنسه لوحشتهما.. كيف تواجهون هذا الإحسان بهذا الاستهتار والسادية؟.

إن كانت هناك هدية حقيقية تريد أن تهديها لوالديك.. وترضى بها ربك.. هى أن تحافظ على جسدك وروحك.. على تكريم الخالق لك حيث خلقك فى أحسن صورة وفضلك على سائر المخلوقات.. على تعب والديك وسهرهم فى العمل ليوفرا لك أفضل سبل العيش الممكنة أن تعمل ليومك كأنك تعيش أبداً وتعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.. أن تترك بصمة.. ذكرى حميدة.. صدقة جارية.. علم ينتفع به.. عمل صالح يتذكرك به من يعانون فراقك.