رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وقفة.. مع النوافع

 

 

لا يمكن أن نتعرض لأحداث 13 مايو من عام 1971 دون أن نذكر هذا الرجل الذى كانت بداياته مع السعدنى لا تنبئ على الإطلاق بالنهاية التى انتهت إليها، إنه إبراهيم نافع، الفلاح الذى توفى أبوه وهو فى سنواته الأولى، فخرج إلى الحياة دون أن ينطق كلمة بابا أو «آبه» كما يقولها أهل الريف، ولذلك اعتمد هذا الطفل على نفسه منذ نعومة أظفاره واستقر به المقام فى شارع الفاتح بالجيزة مع أسرته بأكملها، وكانوا أغلبية يهابهم أهل الجيزة لا خوفاً ولكن احتراماً ويقدرونهم ويلجأون إليهم كبديل عن المحاكم وأقسام البوليس، وكانت أحكامهم لها قدسية، وأى وافد إلى الجيزة لا بد أن يمر بها من خلال بوابة النوافع، وعلى رأسهم، وهذا هو العجب بعينه، أصغرهم سناً الحاج إبراهيم نافع، وإذا أردت أن تترشح فى الجيزة فإن مدخلك الى قلوب اهلها وطريقك للحصول على أصواتهم هو أيضاً ابراهيم نافع، وقد حدث فى العام 1967 أن دخل السعدنى الانتخابات فى الجيزة منافساً للمرشحة الدائمة السيدة زهرة رجب.. وكانت زهرة رجب تعلم أن أقوى أسلحة السعدنى والتى لا بد وسوف يستخدمها فى المعركة هى لسانه، وكان السعدنى النحيل الجسد فى تلك الأيام قد عوضه الله خيراً عن المجانص والعضلات المفتولة لساناً سليطاً وعقلاً شديد الذكاء وخفة دم لا مثيل لها وحتى ضحايا السعدنى الذى وقعوا فريسة لسخريته كانوا يشعرون بلذة لا مثيل لها، وهم يقعون تحت سياط كلماته وتعليقاته وتشبيهاته، وبالطبع أدركت زهرة رجب أنها فى مثل هكذا معركة ستصبح أضحوكة أهل الجيزة، فقررت الاستعانة بالمعلم إبراهيم نافع لكى يضع السعدنى فى حجمه، ويقف عند حدود اللياقة.. وكانت بنية العم إبراهيم تجبر أى إنسان على الوقوف عند حد الأدب.. وأدرك السعدنى مغزى استعانة زهرة رجب بالحاج إبراهيم وعند أول لقاء جمع الثلاثى زهرة وإبراهيم نافع والسعدنى استمع الحاج ابراهيم نافع وهو الجيزاوى الأصيل إلى قصة حكاها ببراعة السعدنى الكبير عن سر عظمة مصر وتفردها دون بلاد الله، وحكى السعدنى حكاويه عن تاريخ مصر القديم وبدأ السعدنى بالمرور على العصرين الفرعونى والرومانى مرور الكرام، وجاء العصر المملوكى فحكى وصال وجال حتى بلغ فترة الـ80 يوماً التى حكمت فيها مصر امرأة تسمى شجرة الدر، وكيف أنها جاءت مصر كجارية للسلطان الصالح الذى أعتقها وتزوجها، وأنجب منها ولده خليل الذى سميت باسمه «أم خليل»، وحدث أن واجهت مصر خطراً عظيماً عندما أصبح الملك لويس الفرنسى على أبواب المنصورة، بعد أن احتل دمياط، ولكن السلطان الصالح نجم الدين أيوب يموت فجأة.. وتستدعى شجرة الدر قادة الجيش، وتقول لهم إن الصالح مات وهناك غزو خارجى ولو انتشر الخبر سيكون له أثر مرعب على نفسية العسكر، وتم إخفاء الخبر وبعد فر وكر ومقتلة كبرى، تقدم المشهد ركن الدين بيبرس، وفارس الدين أقطاى، وتحولت المنصورة إلى مقبرة للغزاة بفضل خطة خداع جهنمية شارك فيها كل أهل المنصورة عندما أوهموا الغازى أن المدينة فارغة وخاوية، وأن أهلها هجروها؛ خوفاً من لويس وقواته، ولكن المدينة بأكملها انقضت على الجيش، وقتلت أخو لويس، وأفنت تماماً فرسان المعبد، ورغم الانتصار العظيم، فقد خرج أهلها فى مظاهرة غاضبة ترفض جلوس امرأة على عرش مصر، وأرسل الخليفة العباسى المستعصم برسالة حفظها التاريخ.. «لو كنتم عدمتم الرجال فأخبرونا لكى نسير إليكم رجلاً».

وكان أكثر الجميع اذبهالاً برواية السعدنى هى السيدة زهرة رجب نفسها، ولكن الذى أدرك المعنى على الفور من الرواية كان المعلم الذى هو بالإشارة يفهم الحاج إبراهيم، ويومها ادرك الحاج ابراهيم أن ممثل الجيزة لا بد أن يكون أحد رجالات الجيزة، خرج إبراهيم نافع بكامل إرادته من زمرة معارف وأصدقاء ومريدى زهرة رجب ليتحول إلى صف السعدنى وسعى خلفه كما ظله لا يفارقه على الإطلاق.. ومن خلال ابراهيم نافع تعرف السعدنى على مشاكل أهل الجيزة وعلى وجه الخصوص الفلاحون منهم، واستطاع السعدنى أن يخفف من حدة هذه المشكلات بقلمه أحياناً وبصداقاته للمسئولين فى أحيان اخرى، ولذلك اكتسب السعدنى من البسطاء من أهل الجيزة ثقتهم ومودتهم وحبهم الذى هو بغير حدود.. والغريب أن اهل الجيزة حتى الأميون منهم كانوا حريصين على معرفة ما يكتبه السعدنى فى عموده اللامع «هذا الرجل» فى مجلة «صباح الخير» فى عهدها الذهبى.. وأعظم ما ميز هذا الباب هو سخرية السعدنى فكان يتناول لاعبى الكرة والمعلقين والممثلين وأهل السياسة والحكام.. لذلك أثار هذا الباب اهتماماً شعبياً غير مسبوق.. وفى أثناء معركة انتخابات دائرة قسم الجيزة فقدت زهرة رجب أقوى أسلحتها الفتاكة أمام جاذبية حديث السعدنى وشخصيته المحببة وحسه الشعبى.. وانضم إبراهيم نافع إلى قافلة اصدقاء السعدنى واصبح بين غمضة عين والتفاتتها أهم صديق للسعدنى فى الحياة، ولذلك فقد أصابنا العجب وارتسمت الدهشة على وجوهنا عندما اكتشفنا أن ابراهيم نافع خلع بمجرد القبض على السعدنى وتساءل الجميع.. هو عم ابراهيم فين؟.. وهنا انبرت الحاجة والدتنا إلى الدفاع عن الرجل وقالت أنا خايفة عمكم إبراهيم يكون جرى له حاجة.. وطلبت منى أن أذهب الى بيته للاطمئنان عليه اذا ما أصابه مكروه.. وبالفعل توجهتُ الى منزل عم ابراهيم فى شارع الفاتح القريب من حارة الفلاحين، وكانت علامات الحزن مرسومة على وجوه الجميع.. تفرست فى الموجودين فلم أعرف منهم أحداً وكانت العيون منكسرة، وكأن عزيزاً قد فات أهله.. صعدت فوجدت باب شقته مفتوحاً على مصراعيه ونساء متشحات بالسواد يلطمن الخدود ويضربن على الصدور.. قلت فى نفسى صدقت الحاجة فيما ذهبت إليه، فلقد مات عم إبراهيم.. يا ميت خسارة، بحثت عن الحاجة حرم العم إبراهيم وسط بحر السواد الذى امتلأت به الشقة الصغيرة، فأطلت السيدة الفاضلة برأسها.. وقرأت فى عينى السؤال فأجابت دون أن أنطق بكلمة «يا بنى عمك إبراهيم فضل ماشى ورا أبوك.. لحد ما راح وراه السجن».. بعض الموجودين ضحكوا وبعضهم دخل فى نوبة بكاء عميق، بينما آثرت أنا الانسحاب.. والشىء الأغرب أن الحاج ابراهيم نافع هو الوحيد الذى دخل هذه القضية وكل جريمته أنه صديق للسعدنى، وكان أيضاً المتهم الوحيد الذى تم تعذيبه فى المعتقل لمدة ثلاثة أشهر بالتمام والكمال، وأراد السعدنى فى التحقيقات أن يحمى صديقه فقال: إبراهيم نافع ده راجل لا يفهم شيئاً على الإطلاق، وكان فرحان قوى أنه مصاحب راجل صحفى ورئيس تحرير، آدى كل الحكاية لكن الراجل ليس له فى الطور ولا فى الطحين.

والحق يقال إن الرئيس السادات لم يلجأ للتعذيب أو الإهانة مع خصومه الذين أصبحوا داخل الزنازين، ولكن الحاج إبراهيم نافع وحده هو الذى تعرض لضرب غرائب الإبل، أما السبب فإن السعدنى الكبير أخذ على عاتقه مهمة إحراق أوراق التنظيم الطليعى الذى كان السعدنى نفسه هو المسئول الأول عنه فى محافظة الجيزة، وقد استطاع الأستاذ محمد عروق، رئيس إذاعة صوت العرب أن يحمل أوراقاً مهمة للغاية، وسافر بها خارج مصر قبل الانقلاب مباشرة ولم يعرف أحد مكان هذه الأوراق حتى يومنا هذا، ولكن بعضها كان يثبت أن الرئيس السادات كان واحداً من أهم أعضاء التنظيم الطليعى.

ولكن قد يسألنى أحدهم.. ولماذا تعرض الحاج إبراهيم نافع للتعذيب.. وأجيب على سعادته وأقول لأن السعدنى لم يجد مكاناً أفضل من أرض الحاج إبراهيم فى برقاش لكى يحرق فيها أطناناً من الأوراق الخاصة بالتنظيم الطليعى فى محافظة الجيزة.. ولو عدنا الى احداث 25 يناير سنجد أن أول مهمة قام بها أتباع الحزب الوطنى كانت إحراق مبنى الحزب الذى كان هو نفسه فى السابق مقر الحزب الوطنى الديمقراطى، وأيضاً حزب الاتحاد الاشتراكى العربى.

وصحيح.. رب ضارة نافعة.. فقد ارتفعت أسهم الحاج إبراهيم لدى القيادات الناصرية، وأكبروا فيه أنه أبداً لم يبح بشىء مما يعرف، وقد كان عضواً نشيطاً بل وقيادياً فى تنظيم الفلاحين، ونال الحاج إبراهيم بفضل صداقته للسعدنى شهرة واسعة، وحدث خلط بينه وبين الكاتب الكبير الأستاذ ابراهيم نافع، ودارت حولهما الأقاويل وقد تفنن البعض فى التمييز بينهما، فقالوا: إبراهيم نافع «صاحب» السعدنى.. وإبراهيم نافع «صاحب» الأهرام، وتشاء الأقدار أن يجتمع النوافع عند السعدنى فى شقته المتواضعة فى لندن، وبالمراحب الحارة والأحضان كان اللقاء بين النوافع.. فقد مر الكاتب الكبير إبراهيم نافع بعاصمة الضباب، ولم يكن لعابر أو مقيم بها إلا أن يسجل حضوره لدى السعدنى باعتباره عمدة وكبير المصريين فيها.. وعلى شرف الكاتب الكبير إبراهيم نافع بدأ السعدنى يعد العدة لعمل الطاجن الشهير، وتوليت أنا والحاج إبراهيم نافع القيام بالدعم اللوجستى.. وكان السعدنى وهو جالس على الكنبة يصدر الأوامر بإعداد وإمداد المواد الأولية التى هى عبارة عن البهارات والبصل والثوم والفلفل والطماطم وكل شىء موجود بالثلاجة.. وكان من عادة السعدنى كلما اتجه إلى عاصمة الضباب، أن يذبح «جدى وخروف» ويضعهما فى شنطة سفر، فهو لا يأكل اللحم فى بلاد الإنجليز، ولا يثق فيهم بعد أن وجد كرتونة سمك فى محل شهير مكتوباً عليها ذبح على الطريقة الإسلامية من يومها والسعدنى يؤمن غذاءه المفضل بل المقدس وهو اللحمة، وإذا قارب تموين السعدنى على النفاد أصدر أوامره بسرعة إعداد الشنط؛ استعداداً للعودة إلى منبع اللحمة الأصلى الممتاز فى بر الجيزة، وأما طاجن السعدنى فقد كان يعشق أن يضيف اليه الشطة السودانى.. ولا أخفى على حضراتكم أن الكاتب الكبير كان ينظر إلى طريقة إعداد الطاجن بينما انفتحت شهيته فى حين أننى كنت أشفق عليه باعتبارى مجرباً للطواجن، وقد عانيت منها.. ولولا أن الأستاذ ابراهيم نافع «صاحب» الأهرام كان مشغولاً بمتابعة نهائى ويمبلدون للتنس لأدرك حجم المؤامرة التى تمثلت فى هذا الطاجن، ولكن الرجل بحسه الصحفى والاقتصادى، بدأ منبهراً بطريقة الدعاية لأهم حدث رياضى تشهده بريطانيا فى تلك الأيام، وكان ذلك فى منتصف الثمانينيات من القرن الماضى، وقد جمعت البطولة بين اثنين من عمالقة اللعبة الأسطورة إيفان ليندل التشيكى الشهير بإيفان الرهيب، والاسترالى بات كاتش، وقد كانت الإعلانات الخاصة بهذا اللقاء منتهى الذكاء فقد كتبوا CasH - Vs -CHEQ أما الكاش فهو لقب بات كاتش.. والتشيك فهى جنسية إيفان ليندل، وبعد أن انتهى السعدنى من إعداد الطاجن أمر الحاج إبراهيم أن يضعه فى الفرن لينضج على نار هادئة، ونفذ الحاج إبراهيم الأمر، ثم جلس إلى جوار الأستاذ إبراهيم وهو يقول: حضرتك عاملى مشاكل يا أستاذ إبراهيم.. فاندهش الأستاذ وقال إزاى؟! ويكمل الحاج ابراهيم تصدق إن فيه ناس كتير قوى تقابلنى وأنا لابس زى ما حضرتك شايف كده جلابية بلدى وصديرى ويحلفوا ميت يمين لازم ولا بد نقرا الفاتحة علشان أشغل لهم عيالهم فى الأهرام. ومن أعماق القلب تخرج ضحكة صافية من قلب الأستاذ إبراهيم نافع.. وأنا أراقب الأمر من بعيد وأقول بينى وبين نفسى اضحك يا أستاذ كما تشاء فأنت لا تعرف ماذا يخبئ لك القدر فى طاجن السعدنى.. وهنا يأخذ السعدنى بناصية الحوار ويقول: كنت فى الكويت وركبنا الطائرة الخاصة بتاعت أخوك أحمد الجار الله، وقرر أن يمر بالقاهرة أولاً وهو فى طريقه إلى لندن للتزود بالوقود. واتصلت بالحاج إبراهيم نافع الذى كان حصل على تأشيرة متعددة لدخول بريطانيا وقلت له اجهز علشان حتسافر معانا لندن.. وعندما هبطت الطائرة مطار القاهرة انتظرنا الحاج إبراهيم فى قاعة كبار الزوار وطلب أحمد الجارالله من أحد المسئولين عن القاعة أن يرسل أحدهم ليساعد الحاج ابراهيم فى الوصول إلى القاعة وبالفعل أرسلوا ضابطاً برتبة عقيد وكان بديناً جداً ترتسم على وجهه علامات السعادة، وقد عاد بعد قليل وضرب تعظيم سلام للمسئول عن القاعة ومن خلفه الحاج إبراهيم بملابسه التقليدية الجلباب والعباءة البلدى وصرخ الضابط إياه بأعلى صوته قائلاً: الحاج ابراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام يا أفندم!!

ووقع الإبراهيمان من الضحك على حكاية السعدنى الذى أصدر أوامره بإخراج الطاجن من الفرن.. ويومها طحن الأستاذ إبراهيم فى الطاجن وخرج من عند السعدنى والسرور والحب يملآن قلبه ولكن الطاجن عمل عمايله مع الأستاذ بعد حين، ولذلك لم يكرر الرجل زيارته لنا على الإطلاق وتركنى وحدى والحاج إبراهيم نقضى نصف وقتنا فى إعداد الطواجن والنص الآخر نلطم الخدود ونشق الجيوب على ما أصاب القولون من دمار شامل بفضل طواجن السعدني!!

وبالطبع كان السعدنى هو الآخر يعانى من أمراض تركها له فى الميراث جدى عثمان رحمة الله عليه وأخطرها مرض القولون أو المصران الغليظ.. ولكن السعدنى كان يصنع ما يحلو له وما يأتى على كيفه ويوافق مزاجه، أما تداعيات هذا المزاج فقد كان السعدنى يصرخ من شدة الألم والسكاكين التى كانت تضرب القولون وهو أمر جعله يصاحب الدكتور يس عبدالغفار ويسير خلفه كما ظله هو وصديقه الكاتب الكبير أنيس منصور.