رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

وهم القداسة

من إشكاليات المجتمعات العربية ومنها المجتمع المصري تأليه البشر بإضفاء صفات القداسة على أشخاص بأعينهم.. المعضلة قديمة وبدأت مع نشأة الدولة في مصر القديمة حين خلط الناس بين الحاكم، ومع بساطة المجتمعات الأولى كان الأمر مقبولاً لدى العامة الذين كانوا يرون في الملك المرادف الطبيعي للإله والمتحكم الفعلي بمقاديرهم.. وتمر القرون عبر الزمن ويستقبل الإنسان الأديان السماوية ومن بين ضلوعه يخرج الأنبياء والرسل المبشرون بالحق الإلهي.. انتقال المجتمع العربي الجاهلي إلى حالة الدين الجديد وهو الإسلام لم يتم فجأة ولم تنقطع صلة الناس بطقوس حياتهم الأولى بكل ما هو مخالف لشريعة الدين الجديد..

لو تأملنا مثلا الأيام الأولى التي أعقبت وفاة الرسول الكريم سنجد أنه قد تم رفع شعار الدين لتبرير السلوك السياسي في تلك الفترة من أجل الوصول الي الحكم والاستمساك به.. الصحابي الأول أبو بكر الصديق - خليفة رسول الله برر الحرب الشرسة علي القبائل التي عارضت خلافته بأن هذه القبائل فاصلت بين الركنين الأولين من العبادة «الصلاة والزكاة».

لقد اختلف كبار الصحابة حول أمر الزكاة،

 فمنهم من رأي ضرورة نقلها إلى مقر حاضرة الخلافة وأن الجزاء على المخالفة شن حرب ضروس تستباح فيها كل الحرمات وحتى المحرمات، وفريق آخر من الصحابة رأي عدم نقل أو توريد الزكوات / الصدقات إلى مقر الخلافة بيثرب (المدينة المنورة) ولا بأس من توزيعها في مضارب القبائل على المحتاجين المعوزين.

 وبعد أن تغلغلت الفتوحات وكثرت الغنائم وطفحت الخزائن بخيرات البلاد المفتوحة توقفت حروب ما سميت (بحروب الصدقة) واستقر الرأي على توزيع الزكاة والصدقات على شيوخ القبائل لتوزيعها على المستحقين.

يتضح من قراءة سنوات حكم ابي بكر أن الرجل فكر وفعل بطبيعة بشرية فيها ما فيها من العوار والجور كما لها ما لها من الصفاء والنقاء.. ثم تأتي غزوة أُحُد حين انشغل المسلمون بجمع الغنائم قبل أن تضع الحرب أوزارها فإذا بالمشركين ينقضون على جنود المسلمين في غفلة منهم فيهرب من يهرب موليا الأدبار، وكان من كبار الفارين وأولهم عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الذي اعترف بفعلته وقال قولته المشهورة  (فررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو (أقفز وأركض) كأنني أروي (الوعل ويطلق على الذكر والأنثى).. أخرج بن جرير فقال «خطبنا عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران فلما انتهى إلى قوله (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان.. «قال.. لما كان يوم أحد هزمنا، ففررت حتى صعدت الجبل».. «ومن الذين أدبروا يوم أحد الصحابي عثمان بن عفان وقد عيره عبد الرحمن بن عوف بفعلته، والاثنان من العشرة المبشرين بالجنة.. وبعد ما يقرب من الألف وخمسمائة عام على تلك الأحداث التي عاشها أهلها كبشر دون تزيد أو تقديس نجد أنفسنا نحن المعاصرين عاجزين عن النظر لهؤلاء الصحابة كبشر ونتمسك بالنظرة المطهرة لهم،  وفي زماننا المعاصر وقعنا في شرك تأليه الحكام ورفعهم فوق مستوى المساءلة أو حتى العتب تأثرا بموروث قديم لبست فيه السياسة ثوب الدين والتدين كذباً ونفاقاً.

[email protected]