هموم مصرية

الخديو إسماعيل.. وأول مول مصرى

 

 

 

يخطئ من يعتقد أن الأسواق المجمعة «المولات» بدعة عصرية.. بل نقول إن الخديو إسماعيل كان أول من أنشأ «مول» أي سوق مجمع للخضار والفواكه والأسماك.. بل وكل ما يحتاجه البيت.. والهدف: محاربة الأسواق العشوائية التي كانت منتشرة في كل مدننا.

مثلاً يمر المصري الآن وهو يتجه من العتبة إما إلي شارع محمد علي أو شارع الأزهر.. وأيضاً شارع عبدالعزيز فيجد هذا المول- الذي كان رائعاً- وربما لا يعلم أن الخديو إسماعيل هو صاحب فكرة مول العتبة.. فما هي حكايته؟.

كانت هذه المنطقة عبارة عن مقابر يطلق عليها مقابر المناصرة.. وتحيط بها عشش الباعة من كل مكان.. وأصدر الخديو تعليماته إلي وزير أشغاله، علي باشا مبارك، فأزال كل هذه المقابر.. وجمع العظام وأعاد دفنها في بئر أسفل مسجد العظام بشارع عبدالعزيز ثم أنشأ مكان هذه المقابر هذا السوق الذي وفر له المياه للنظافة وأناره بالغاز، وكان يتم غسيله مرتين يومياً.. وأقام فوق السطح غرفاً ينام فيها الباعة والعمال، وحرص علي حفر قنوات ضيقة في أرضية السوق لإبعاد أي مياه، ومخلفات عن ممرات السوق.. وتم تقسيم مساحات السوق.. فهذه منطقة لباعة الأسماك، وتلك للدواجن، وهذه للحوم، ثم الخضر والفواكه، وكل مستلزمات البيت وهكذا، وفرض علي الباعة وضع أسعار كل شيء علي كل سلعة.. وكان رجال «التمن» وكانت القاهرة مقسمة إلي 8 أقسام، يقومون بالتفتيش علي المحلات أو «النصبات»، للتأكد من سلامة ما بها من مواد غذائية، فضلاً عن نظافة وسلامة الباعة والعمال، وكان يتم الكشف عليهم صحياً كل عام ويحملون بعدها تصاريح بالعمل في هذا السوق.

<< وبذلك نجح الخديو في الحد من «نصبات» الباعة في الأسواق العشوائية.. ومن أشهرها سوق المناصرة، وسوق الناصرية.. وعدة سويقات في المناطق الشعبية.. وكانت كلها من الأقفاص الجريد تظللها أحياناً أكياب من الحصير والخيش.

وبسبب نجاح تجربة هذا المول «سوق العتبة» تم تكرار هذه التجربة بعد ذلك في منطقة باب اللوق.. حتي قبل أن يتم نقل محطة قطارات حلوان من منطقة ميدان الرميلة «تحت القلعة» إلي باب اللوق.

<< ورغم أن يد التطوير والتنظيف لم تمتد إلي هذين «المولين» إلا اننا يمكن أن نتصور مدي حالتهما عندما تم الإنشاء.. وكان الواحد منهما عبارة عن سوق حضاري.. حتي وإن قال البعض إن هذه الفكرة منقولة مما رآه الخديو إسماعيل في باريس، خلال دراسته هناك عندما كان ضمن بعثة الطلبة من أمراء أسرة محمد علي.. وقارنوا بين هذه الأسواق وما كانت عليه الأسواق العشوائية، حتي في شارع المعز من أسواق للنحاسين والمغربلين والخيمية والعطارين والصاغة والرواسين «باعة لحم الرأس» والسماكين.. ثم السيوفية، والصنادقية وغيرها.

<< وبذلك كان الخديو إسماعيل أول من فكر في إنشاء أسواق عصرية نظيفة يحل بها ظاهرة الأسواق العشوائية.. بينما نحن لم ننجح حتي الآن في علاج ظاهرة الباعة الجائلين الذين تحولوا إلي دائمين وأمامنا مثلاً فشل تجربة سوق عشش الترجمان!!

السوق المجمع هو الحل الأمثل للقضاء علي العشوائيات بشرط أن تملك السلطة المحلية، القدرة علي ردع كل من يخرج من هذه الأسواق المجمعة ليعرض سلعه علي الناس.. في أشهر ميادين وشوارع كل مدينة مصرية!!