ما قبل الصندوق!

 

 

بعد غدٍ، سوف يكون المصريون في الخارج، على موعد مع صناديق الاقتراع في انتخابات الرئاسة، وسوف يكون على كل واحد فيهم أن يذهب للإدلاء بصوته، وسوف تكون أمامه فسحة من الوقت تمتد لثلاثة أيام، وسوف يكون عليه ألا يتخلف، ليس لأني أريده أن يمنح صوته للرئيس، كمرشح، ولا حتى للمرشح المنافس، ولكن لأن على كل ناخب أن يعتاد على الذهاب إلى الصندوق!

ويستوي الصندوق في كل الحالات، سواء كان في سباق رئاسي، أو كان في سباق برلماني، أو كان في سباق على مستوى البلديات، أو كان في نقابة، أو في جامعة، أو في مدرسة!

الصندوق في كل هذه الحالات، وفي غيرها، هو الصندوق، ولا فرق بينه هنا، وبينه هناك، إلا في أنك كناخب تذهب بعد غدٍ.. مثلاً.. لتختار رئيساً، وتذهب في الجامعة لتختار رئيساً لاتحاد الطلبة!

ففي الحالتين أنت تختار، وفي الحالتين أنت تتعود على الذهاب وعلى الاختيار معاً،وهذا في حد ذاته ركن مهم من أركان العملية الديمقراطية على بعضها!

ولأنها عملية فإنها ممتدة في حلقاتها وفي خطواتها، والذين يختزلونها في الصندوق وحده، مخطئون، لأنه آخر حلقاتها، ولأنه أقل خطواتها أهمية!

وما قبل الصندوق أهم!

وهو أهم لأن الناخب يصل الصندوق بعد أن يكون قد اختار في داخله، وبعد أن تكون قناعته قد تشكلت، وبعد أن يكون قد استقر على مرشح بعينه، بناء على البرنامج الانتخابي المُعلن للمرشح، فيما يخص المستقبل، ثم بناء على سابق عمل المرشح ذاته، إذا كان قد خاض الانتخابات من قبل!

ولأن الانتخاب سري بطبيعته.. أي بين الناخب وبين نفسه.. فلا سبيل معه سوى بإقناعه ببرنامج انتخابي، دون برنامج آخر، أو بمرشح دون سواه، وفي النهاية يظل كل ناخب متروكاً لضميره!

ولذلك.. فالرئيس عندما خاطب الناخبين وطالبهم بالذهاب للاقتراع، لم يطلب منهم أن يعطوه أصواتهم، ولا طلب من أحد منهم ألا يعطي المرشح المنافس، صوته.. لكنه فقط نصح بالذهاب، وبالنزول، وبالمبادرة بالانتخاب، وراح يحرض كل ناخب على ذلك!

وكان الهدف، ولا يزال، أن ينشأ المواطن منذ الصغر على أن الانتخاب واجب وحق في وقت واحد: واجب عليه مادام متمتعاً بحقوقه السياسية.. ثم حق له؛ لأن اختياره ينعكس بالضرورة على حياته!

والبلاد التي سبقتنا في الممارسات الديمقراطية، فعلت ذلك بالتجربة، وبتراكم التجربة، ولا شيء غير تراكم التجارب.. فكل تجربة تأخذ من التي تسبقها وتضيف إلى التي بعدها!.. وبغير التجارب المتراكمة لا تتقدم الشعوب ولا تأخذ حظها في الحياة!