رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

خارج السطر

سيدة الزمالك

أفيونتى رواية. كتاب مبهر. قصيدة غير تقليدية. مقطوعة موسيقى خلابة. مع عواصف الأتربة الحياتية يجد المرء نفسه فى التبتل بنص مُبدع رائق، وما أقلها فى زمن ذاع فيه القُبح، واحتل الأنصاف صدر المشهد.

انسحب من قصف المدافع فى عفرين، ومشاهد الخراب فى ليبيا، وفضائح الساسة فى العالم، لأقرأ رواية شديدة الروعة لكاتب فذ يمتلك أدوات القراءة الواعية للتاريخ الحديث. «سيدة الزمالك » نص مُذهل للأديب أشرف العشماوى جاء ليفتح نوافذ التاريخ لنطل على عصر مُبهر من الصراعات والمؤامرات واختلاط السياسة بالفساد، والقهر بالوهم، والفقر بالجهل.

يتكئ «العشماوى» على حادث حقيقى جرى سنة 1928 هو مقتل سولومون شيكوريل فى فيلته بالزمالك ليسرد قصة ظهور مُغامر، انتهازى، شارك فى الجريمة لكنه اختفى وفشل الجميع فى معرفته ليبدأ صعودا كبيرا فى دُنيا المال والسياسة.

يستغل البطل « عباس » الفساد المُحيط بالملك فاروق ليثرى مُحققا نفوذا متضخمًا، ثُم ينقلب مع ثورة يوليو إلى أحد خدمها ليكتب التقارير عن أصحاب الثروات ويعمل وكيلا للجنة الحراسات، ثُم يواصل تحولاته خلال عهد السادات ليشارك فى رسم سياسات الحزب الحاكم ويُصبح أحد رموزه. وفى عهد مبارك يحقق «عباس » ثروة ضخمة ويتعامل بحنكة كبيرة مع الفساد والتمدد الإعلامى و التدين الظاهرى ويستفيد من كل قبح، بينما تبدو إبنته غير الحقيقية ناديا ذات الأصل اليهودى كنبع نقاء ومصدر قيم تُجابه الفساد، وتقف أمام القمع، وتعانى مرارة التغريب وسطوة الأرستقراطية المُتغطرسة لترفع قبضة المقاومة.

صراعات، جرائم، تعذيب، تطرف، انتهازية، نفاق، غُبن، واستغلال، كلها أجواء كثير من الأعمال الأدبية الذائعة فى مصر، لكن العشماوى يتفرد بقراءة واعية لتحولات التاريخ الحديث، ويعى كيف كانت السُلطة دائما فى طريق، والشعب فى طريق آخر.

روايات العشماوى مُمتعة من حيث اللغة، قوية السرد، شخصياتها مكتملة الأركان. حاول فى «كلاب الراعى» رسم طريق وسط بعيدًا عن الاستقطاب السلطوى ومضاده المناهض لها، مؤكدا أن الناس فى وسط الطريق يرون أفضل. وقدم فى «تويا» إرهاصات التغريب وصفاء البيئة البكر المقاومة لاستغلال الدول الكبرى. فى « البارمان » يُقدم أوهام النشوة الزائفة لدى المجتمع المصرى سواء نشوة سياسية أو غير سياسية.

أشرف العشماوى طلة أمل فى أدب يتبعثر. نموذج فذ لصائغ كلمات. مثال حى على أن الإبداع فى مصر لا ينضب ولا يتلاشى. ذلك ما أكدته «سيدة الزمالك » روايته الأحدث. والله أعلم.

[email protected]