رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مذكرات ابن الولد الشقى حارة سمكة

 

 

أعلن التليفزيون عن إعادة لمسلسل «لا تطفئ الشمس» حيث كان يلعب صلاح السعدنى دور «ممدوح» الشقيق الأصغر للنجم كرم  مطاوع بالطبع تسمرنا أمام  شاشة التليفزيون الأبيض والأسود وكنا نتابعه للمرة الأولى وشهدت أحداث المسلسل وفاة «ممدوح» فقد انتهى دوره قبل أن ينتهي المسلسل وبكينا ممدوح،هالة وانا كما بكت الخنساء أخاها صخراً.. وزاد الطين بلة أن ستى أم محمود كانت تتابع معنا حلقات المسلسل ذلك فقد ارتفعت بالموقف الدرامى الى حد المأساة وقاطعت العمل وأغرقت بدموعها المنديل المحلاوى وقامت تدعى على عمنا إحسان عبدالقدوس الهى يجيلك ويحط عليك هو ده توليف.. ده لو بيفهم مايموتش الواد. العيب على أبوكم اللى مش بيفهمه شغله وتعود ستى الى العويل والبكاء والنواح على ممدوح الذى راح فى عز شبابه.. وكانت أم محمود تحب صلاح حبا جماً فهو بالنسبة إليها بهجة الحياة بل وامتع ما فيها من بهحة فقد كان صلاح هو آخر العنقود اللى هو سكر معقود  كانت الحاجة أم محمود صاحبة شخصية قيادية.. فكلمتها  مسموعة وأحياناً مسمومة فإذا أطلقت على أحدهم لقباً صار هو الاسم الذى يناديه به الجميع يخاطبه به حتى أقرب الناس اليه بل والغرباء أيضاً وكانت تسكن فى عمارة ستى بحارة سمكة أسرة طيبة ودودة فى الدور الأرضى بينهم ولد  اسمه رأفت  كان فى المرحلة الاعدادية بينما فى العمارة المواجهة ولد آخر فى نفس العمر تقريباً له أيضاً نفس الاسم «رأفت» ولم يكن أحد يميز بين هذا وذاك حتى وضعت ستى أم محمود العلامة الفارقة والاسم التجارى الذى سيكون هو الفيصل بين رأفت عمارتها.. ورأفت العمارة المواجهة لها.. فقد أطلقت على رأفت جارها فى نفس العمارة.. رأفت «أبوبربور» فصار هذا لقبه حتى اذا جاءت خطابات لأسرة رأفت هذا نادى ساعى البريد جواب للحاج أبورأفت أبوبربور.. والأعجب أن أهل بيته أمه وأبوه وأخواته كانوا جميعاً يستخدمون لقب الحاجة أم محمود كلما أرادوا النداء على رأفت.. فاهملوا اسمه الحقيقي وأصبح اللقب الخاص بالحاجة أم محمود هو الاسم الشهرة والصيت.. ومن خلال ستى أم محمود هذه السيدة الشديدة الذكاء السليطة اللسان الأمية.. كان السعدنى الكبير محمود يتلقى دروسه الأولى فى عالم السخرية وكذلك كان الحال بالعمات  جميعاً وبآخر الأبناء صلاح.. وقد  كان هناك أكثر من ولد رزقت بهم العائلة.. ولكنهم توفوا فى عمر مبكر ما عدا فهمى الذى لا يزال عالقاً بصورته وصوته فى عقل وخيال محمود السعدنى..  كان فهمى أشقر الرأس له وجه أحمر بنيانه قوى يشبه إلى حد بعيد جدى عثمان ولكن مرض التيفود الذى كان قاتلاً فى هذه الأيام من عشرينيات القرن الماضى لم يمهل فهمى وقتاً كثيراً فقضى عليه فى سن مبكرة والغريب أنه الوحيد من بين ثلاثة ذكور ذهبوا الى رحاب ربهم الذى كانت ستى أم محمود تتذكره على الدوام وكانت الحاجة إذا بدأت فى الكلام.. سكت الجميع ذلك لا نها تجيد رص الكلام كما يرص الصائغ المجوهرات وإذا مرت بالحارة وقف لها الجميع احتراماً واتقاء لشر لسانها فيحسنون لها السلام ويظهرون لها المودة والمسكنة.. شخص واحد فقط  فلت من هذه المنظومة وهو العم صلاح فهو الوحيد الذى يملى إرادته علي ام محمود التى تعشق أولادها جميعا ولكن  للذكور فضل على الإناث لديها، فالبنات  دائما فى الدرجة الثانية حتي الأحفاد لم يسلموا من هذا التمييز وقد انتظرت أم محمود طويلاً لكى تفرح فرحة العمر كله بابن صلاح ولكنها حضرت فقط ميلاد ميرفت وماتت دون أن ترى ابن صلاح وقد حظيت مع ذلك ميرفت باهتمام من نوع خاص وتكريم يليق بمقام صلاح عندها.. ولكن جميع أحفاد أم محمود لم يلق أحد منهم شرف الاقامة معها صغيراً الا شخصى الضعيف. ذات مساء حملنى السعدنى على كتفه والشيء العجيب ورغم صغر سني حيث كنت أتعلم خطواتى الأولى فى الحياة وأمشى أحياناً على أربع وأحياناً أخاطر وأسير مثل بقية خلق الله.. أقول حملنى وطرق الباب على ستى التى فتحت الباب وقال لها خدى أكرم عندك.. ومضى بسرعة الضوء.. ساعتها كان صوتى يخترق حاجز الصمت فى حارة سمكة وما جاورها من  حارات وأزقة وعطوف.. ولم أكن أدرى سبباً لفعلة السعدنى النكراء هذه.. وبالطبع علمت الحقيقة بعد ذلك بسنوات طويلة.. فقد  كان على السعدنى أن يحمل أختى الكبيرة هالة ويسافر بها فى رحلة البحث عن علاج فى بلاد الإنجليز وكانت  هى المرة الأولى التى تترك هالة فيها أمنا الغالية مضطرة وسافر السعدنى بها بالفعل وهناك داخ دوخة الأرملة على طبيب بريطانى يمكن أن يساعد فى مرض هالة واتصل السعدنى بالسفارة المصرية وبالأطباء المصريين الموجودين هناك حتى قابل ذات يوم طبيبا مصرى الجنسية أمريكاني المظهر فهو يشبه الممثلين بتوع هوليود اسمه الدكتور صلاح خاطر هذا الرجل قابل السعدنى فى العام 1963 ومن خلاله تعرف السعدنى على الدكتور دونالد بروكسى وهو الطبيب الذى سيكتب الله  عز وجل الشفاء على يديه بعد هذا التاريخ بأكثر من ربع قرن وسيكون أيضاً لصلاح خاطر فضل على شخصي الضعيف بعد ذلك حيث سيلعب نفس الدور عندما أصبت بأزمة صدريةعنيفة استمرت لأكثر من عشر سنوات.. المهم أن دونالد بروكسى سأل السعدنى سؤالاً محدداً.. هل عاشت هالة فى نفس البيئة التى جئت أنت منها وعلى الفور يجيب السعدنى بالنفى ويقول للطبيب البريطانى ان امها مريضة بالنظافة.. وهى تحمى هالة فى اليوم «3» مرات وتعتنى بها بشكل يغيظ.. هنا قال الطبيب هل لديك أطفال آخرون.. فقال نعم عندى ولد اسمه أكرم.. وأصدر الطبيب الانجليزى فرماناً من على بعد أكثر من «3000» ميل لكى يلقى بى الى حارة سمكه لكى أتمتع بالحصانة التى هى نتيجة البيئة التى عاشها السعدنى فى طفولته ويبدو أن أمر الدكتور دونالد بروكسي امتد ليشمل هالة فى لندن.. وقد كانت هالة أول شقراء في الأسرة السعدنية حيث شعرها يميل الى الأحمر وعلى وجهها ارتسمت  نقاط النمش واكتسي وجهها باللون الأبيض وكأنها كما يقول السعدنى نسخة من أبوه الحاج عثمان السعدنى وفى احدى الغرف التى استأجرها السعدنى كانت هالة تقضي أغلب وقتها فى لندن وخصوصاً بالليل عندما يتركها السعدنى لتنام ويسهر هو الليل  مع شلة الأصدقاء ومنهم الفنان الكبير محسن سرحان الذى كان متواجداً فى نفس التوقيت فى لندن وحدث أن علم عبدالحليم حافظ بوجود السعدنى فى لندن من اجل عرض هالة على طبيب العظام الشهير دونالد بروكسى، وطلب السعدنى فى التليفون وعرف العنوان.. وعندما ذهب الى هناك.. وجد شيئاً لا يمكن السكوت عليه لو علم به البوليس الانجليزى لألقوا القبض على السعدنى ولو علمت به وزارة الصحة لمنعوا السعدنى من دخول بريطانيا.. ولو علمت به حقوق الانسان لانتزعوا هالة من بين حضانته.