رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مراجعات

ما بعد الانحطاط!

ببساطة.. نحن شعب عاطفي، ننساق خلف المشاعر التي قد تُظهر الأشياء على غير حقيقتها، ولذلك أصبحنا نعيش زمانًا عقيمًا، طغت عليه أقنعة زائفة، تحمل قيمًا متناقضة ومتبدِّلة، جعلتنا نعيش في غيبوبة ـ بإرادتنا أو مكرَهين ـ لنعاني ازدواجية مفرطة، في كل مناحي الحياة تقريبًا!

يزعم كثيرون أنهم متديِّنون بالفطرة ـ أو هكذا يدَّعون ـ غير أن الواقع يشير إلى عكس ذلك، لأنهم يعيشون حالة من الارتباك تنتابهم، كلما واجههم أحد بحقيقتهم التي لا يريدون الاعتراف بها!

بكل أسف، أصبحت تلك الازدواجية المفرطة، ظاهرها القيم والمبادئ و«التديُّن».. وجوهرها أقنعة زائفة متملقة، أصبحت تُعمي الغالبية العظمى عن رؤية الحقيقة.. فلا يريد أحد أن يسمع أو يرى، سوى ما يريد سماعه أو رؤيته!

بالطبع لا نتحدث عن وطن بأكمله، ولكننا نعني شريحة لا يُستهان بها، تستسيغ الكذب والخداع، وتفضل دائمًا العيش في مهرجانات النفاق ـ بشكل غير مسبوق ـ لأنها لا تمتلك بالأساس عقيدة راسخة أو مبادئ ثابتة أو حتى قواعد معروفة!

أسهمت تلك الفئة في تعزيز السلوكيات السلبية الضارَّة بالمجتمع، وتوسيع انتشار رقعة تزييف الوعي، بادعاءاتها وجود صحوة ضمير، رغم إسهامها في طفح سرطاني للنفاق والتملق، الذي يضرب بجذوره في معظم الاتجاهات.

هؤلاء الأدعياء بارعون في فنون «التطبيل».. يدَّعون القيم والمبادئ، واهتماماتهم فارغة.. يؤكدون على الجماعية ويميلون للفردية.. يؤمنون بالتوكل ويلجأون للتواكل.. يتحدثون عن الديمقراطية ويمارسون القمع والديكتاتورية.. جهلاء بالفطرة ولا يُصلحون من أنفسهم أولًا!

إن مأساتنا أعمق من تجميلها بكلمات لا تسمن أو تغني من جوع، لأن مشكلتنا ـ كما يقول جبران خليل جبران ـ «نتزوج ولا نُحب، نتكاثر ولا نُربي، نبني ولا نتعلم، نُصلي ولا نتقي، نعمل ولا نُتقن.. نقول ولا نصدق»!

ربما نضيف أيضًا أننا نأكل أكثر مما نتج، ونتكلم أكثر مما نفعل، وندَّعي الحق وهو عين الباطل، ونتصنّع التقوى والورع، ونقترف الموبقات والأباطيل، ونخشى الناس والله أحق أن نخشاه!

لا يخفى على أحد، أن أحوالنا لم تتغير عن ذي قبل، بل زادت وبالًا وترديًا، إذ تفاقمت السلبيات الى أضعاف مضاعفة، وتوهمنا أن التغيير سيأتي بالأفضل، بعد إزاحة «كابوس الرجعية»، فإذا بالأوضاع تنزلق إلى هاوية خطيرة يومًا بعد يوم!

لعل تاريخنا الطويل، المتجذر في الاستبداد، منذ عصور الفراعنة، أفرز علاقة مريضة بين الدولة والمجتمع، بين النخبة والعامة، حتى أصبح الأمر أشبه بامتلاك الدولة للمجتمع.. ترعاه كطفل وتتحكم به مثل الجارية!

ترتب على ذلك أن يعيش المجتمع حالة شديدة من النفاق والفساد وانعدام الضمير، نستطيع تلمسها تقريبًا في معظم المهن والطبقات، فلم يعد أحد يؤدي دوره كاملًا، وغابت المساءلة، كما غاب دور السلطة في تقديم البدائل الاجتماعية والفرص الاقتصادية.. ولأنها فشلت في ذلك، فقد تنازلت عن حقها بتنازلها عن واجبها، ولاذت بالصمت غير المبرر!

أخيرًا.. لا نجد تبريرًا لحالة البلادة أو النفاق السائدة في المجتمع، أو تفسيرًا لبشاعة المشهد الحالي، وما يكتنفه من ملامح ابتزاز وأنانية وفوضى، إلا بجملة واحدة: «أننا نعيش مرحلة من النفاق ما بعد الانحطاط المجتمعي»!

[email protected]