خواطر شاعر

شراع تاه فى بحر الحياة..

 

«بعيداً عن السياسة وهى أقرب إليه من حبل الوريد»

بعيداً قليلاً قليلاً عن حديث السياسة إلى تعميق فكرة الوجود بين شاب ضل الطريق وآخر عرف الطريق

 

ما أعظم الملاح حين يقود سفينته إلى شاطئ النجاة، أن ذلك يتم إثر تجربة وممارسة وتمارين مع فهم الطبيعة: الطبيعة حين تبتسم والطبيعة حين تغضب، وكيف -وهو الملاح الماهر- يقف على سر ومكنون وخبايا الرياح إذا هبت والأعاصير إذا أحاطت بالسفينة التى يقودها أمام «أمواج عاتية كالجبال».

وذلك كله يشير إلى أن «صراع الإنسان فى مواجهة مشكلات الحياة» هو التعبير الصادق عن طريق الإسناد إلى حياة ذلك «الملاح» وهو يعيش مع البحر الذى يحوطه، البحر إذا غضب والبحر إذا هدأت أمواجه، وهو فى كل الحالات «خبير بأسراره عليم».

<<< 

وبلغة الشعر والشعراء: عجيب يا بحر ما رواه الناس عنى وعنكا، أترى -ما زعموا- زوراً وبهتاناً وإفكا... لعبت أمواج وهدأت عواصف وقالت كما قال شاعرها إيليا أبوماضى وهو يصادق البحر ويكشف عن أسراره: إنى لست أدرى وكيف تأتى الأمواج من كل موانى بحار العالم - لهفى. صوب عناق الشاطئ وفيها من الأحلام الأسرار والظاهر والباطن.. وكل المجهول.. إنها قصة ملاح ماهر يعرف أسرار الموج أى عرف بعضاً من أسرار هذا الوجود.

<<< 

وشاعر المنصورة الجميلة الحلوة و«الملاح التائه» فى «البحر الصغير» على محمود طه.. يناشد الهمة فى الإنسان ويثنى بالثناء والتقدير وجائزة المعرفة لأسرار البحار، حين يأتى الصباح ومعه الأمل مع العمل «ويا أيها الملاح قم شد القلوع».

<<< 

إنها حكمة الدنيا، وكفاح الوجود حين يقاس الإنسان فى ممشاة حياته بقصة ذلك الملاح الذى يمثل الكفاح المرير فى الانتصار على كل ما يحوط هذه الحياة فى رقتها وعذوبتها وفى غضبها وفى قسوتها تماماً كالربيع والأعاصير إذا هبت وإذا غضبت، وهذه من «دروس الحياة» المعرفة: المعرفة كيف يواجه النسمة الرقراقة عند مولد كل صباح.. وكيف يواجه الموج العالى كالجبال حين تغضب الطبيعة ويصالح أمواجها.. والفرق هنا ما بين الملاح الماهر.. وذلك الذى يتفرج على أسباب الطبيعة فى محنته أو صمته أو لا مبالاة، فرق بين من يعرف أسرار الكون فيعايشها بالمعرفة والعمل، وبين من ينظر إليها نظرة عابرة وإذن «تلك عقبى الدار».

وهنا الطبيعة قف بنا يا سارى

لأريك صنع العظيم البارى

<<< 

كل الذى شرحناه وعرضنا أمره إن هى إلا تطلعات وخلجات ولمسات شاعر جالس على شاطئ الحياة فى ظل شجرة مورقة مخضرة بالأمل، ومن مكانه يخاطب الوجود ويفلسفها ويخرج منها بدرس حقيقى عن «مكانة الإنسان»: أى إنسان، وهو يشرح ويفلسف آيات الطبيعة فى حسنها وبهجتها وأيضاً فى غضبها وعنفوانها تماماً كالإنسان: «فى صمته حكمة، وفى غضبه فلسفة، وفى حياته رواية، وفى حركتها ما بين الإيجابية والسلبية»، تماماً لأنه جزء لا يتجزأ من مكنون الطبيعة، وهى التى أعلنها منذ فجر التاريخ الفيلسوف الرائع زينون القبرصى تحت عبارة: «عش وفقاً للطبيعة».. بمعنى عليك أيها الإنسان العاقل أن ترى بعين فاحصة خبيرة أن البشرية -حسب قانون الطبيعة- تلتقى «بنفس المولد ونفس المصير» ومن هنا «المولد واحد وشاطئ الموت عنده يلتقى الجميع، ولا فرق بين حاكم أو محكوم، ما بين غنى واسع الثراء أو بين فقير معدم، ولكن مشى على جسر الحياة تماماً.. تماماً».

وهذه الفلسفة العاقلة هى التى دفعته والفلاسفة الإنسانيين من بعده «ينادون بوحدة العالم.. لا حدود ولا سدود.. إنما هى الأخوة العالمية فى المدينة العالمية».

<<< 

ويأتى الإنسان عبر هذا الوجود وعليه أن يختار.. أو يترك الأقدار بديلة عنه فى الاختيار.. وإنه -إذن- شاء أو أراد يمكن تلخيص وجوده ما بين الاختيار أو عدم الاختيار وهى -أى الحياة- عبارة عن «خطى مشيناها» والنهاية هى القدر المحتوم.. والنتيجة واحدة وإن تعددت الأسباب.. هذا فتى يقول ويختصر حياته قائلاً وما أروع ما قال:

«حياتى قصة بُدئت بلحن سماوى له غنيت وامرأة جميلة».. وأما صاحبى يخاطب محبوبته متعالياً:

«هنا ستموتين هنا.. وأما أنا فسيبقى شعرى الباقى»..

وأما آخرهم فقد أخذه التيار -تيار الحياة بعيداً عن شاطئ الحياة- تماماً كما عبر عنه أبناء الحياة.. «شراع تاه فى بحر شديد الموج عربيد».. وانتهت حياته بين أمواج الوجود.. وما عاد له من ذكرى إلا أغنية حزينة عند كل مساء يرتلها «عصفور ضل طريقه من سرب الطيور»..

وعنده تبدأ قصة الحياة من جديد ونقول مع الشعراء:

«أيها الملاح قم شد القلوع».