رؤى

بدوى يشكك فى محمد عبده

الذى قرأ مذكرات د.عبدالرحمن بدوى أحد الرواد الذين أدخلوا الفلسفة الوجودية إلى مصر والوطن العربى بشكل عام، يعلمون جيدا حدته وعنفه، فلم يترك أحدا ممن عرفهم أو عاصرهم أو تعامل معهم إلا وهاجمه وسفّه منه.

من هذه الشخصيات الشيخ محمد عبده (1849- 1905) مفتى الديار المصرية خلال فترة حكم الخديو عباس الثانى، د.بدوى خصه بعدة فقرات أهال فيها التراب والاتهامات عليه، شكك فى علمه ووطنيته وسخر بشدة من توصيفه كمصلح ومجدد فى الدين.

المتعارف عليه أن اللورد كرومر هو صاحب الفضل فى عودة الإمام محمد عبده إلى مصر من منفاه فى لبنان سنة 1889، حيث أوصى الخديو توفيق بإصدار فرمان بعودته، واشترط كرومر بعده عن الاشتغال بالسياسة، وبعد عودته إلى مصر أقام محمد عبده علاقة قوية مع كرومر، وصفها عبدالرحمن بدوى فى مذكراته بعلاقة: «التابع بالمتبوع، والذليل بالجبار، والمطيع الخاضع بالآمر المستكبر»، وبدوى لم يكتف بهذا بل أكد استغلال كرومر لمحمد عبده، وجعل منه أداة لتشويه الآخرين، حيث دفعه، حسب بدوى، إلى كتابة مقالات ضد محمد على باشا رأس الأسرة العلوية، بمناسبة مرور مائة عام على توليه حكم مصر، وذلك سنة 1905، قبل وفاة محمد عبده بقليل».

صحيح أن محمد عبده قد انتقد بالفعل محمد على باشا، ونشر المقال فى مجلة المنار، لكن يبدو أن ذاكرة بدوى قد خانته، لأن مئوية محمد على باشا كانت سنة 1902 وليست 1905، ومقال عبده نشر بالعدد الخامس الذى صدر فى 7 يونيو سنة 1902، وقد سبق مقال عبده مقال للشيخ رشيد رضا فى العدد الرابع انتقد فيه بشدة محمد على باشا.

ومن الفقرات المهمد جدا التى توضح مدى كراهية بدوى للشيخ محمد عبده، الفقرة التى شكك فيها بعلمه ووطنيته، والتى قال فيها:" لمحمد عبده، حتى اليوم، أنصار ومعجبون وممجدون مغالون، إذا سألتهم: ماذا يعجبكم فيه، التواطؤ على طاغية الاستعمار البريطانى فى مصر؟، لم يجدوا جوابا لأن الوقائع تدفعهم، بل لاذوا بدعوى الإصلاح الديني، وزعموا أنه كان مصلحا دينيا، فنسألهم: أى إصلاح دينى قام به؟، لم يستطيعوا أن يذكروا إلا تفاهات شكلية، مثل تحليل لبس القبعة، وكأن هذا خطير جدا به يكون المرء مصلحا دينيا كبيرا، وهكذا الأمر فى كثير من أمر الشهرة فى مصر والبلاد العربية والإسلامية، لقب يطلقه مخدوع أو خادع فيتردد بين الناس فى عصره، وينتقل من جيل إلى جيل، لا أحد يتحقق من صواب إطلاق هذا اللقب، ولو كان لمحمد عبده من الإنتاج الفكرى ما يشفع له فى نيل هذا اللقب، لاتسع وجه العذر، ولكنه كان ضئيل الإنتاج جدا، إذ ليس له إلا كتاب صغير هو «رسالة التوحيد» وهى دروس ألقاها فى بيروت بعد خروجه من مصر، وهو من حيث المادة خجل بسيط لا يفيد إلا المبتدئين".

[email protected]