نور

نحن «الوفديين»!

 

ما قالته صحيفة «الواشنطن بوست» الأمريكية الأسبوع الماضى، عن حجم وقيمة حزب الوفد، هو ترجمة حقيقية لقيمة المؤسسة الحزبية الأعرق فى الشرق الأوسط، الحزب الذى أسسه سعد زغلول، وأنجب لمصر: مصطفى النحاس، ومكرم عبيد، وفؤاد سراج الدين، وإبراهيم فرج، وعدد من النجباء، يقفون فى طابور لا ينتهى، سوف يصل بك إلى اسم الوفدى الأصيل المستشار مصطفى الطويل، الذى ترأس الوفد لعدة أشهر، لحمايته من التفجير الذاتى عام 2006 ليعود بعدها بكل هدوء إلى صفوف الوفديين.

مصطفى الطويل هو نموذج رائع لمن أطلقت عليهم الواشنطن بوست صفة «الوفديين» وهم أصحاب المبادئ الوفدية الذين يواجهون أى محاولة لتغيير الهوية والثوابت.. وهم من تحدث باسمهم القطب الوفدى على سلامة فى مجلس الشعب عام 1977 وقال «نحن الوفديين» قبل عودة الحزب.. وهم من ينتمى إليهم  جيل مهم فى حزب الوفد، وهو الجيل الذى يطلق عليه داخل الوفد «جيل الوسط».. صحيح أن هذا الجيل أصبح فى صدر القيادة، وصحيح أن بعضهم تجاوز سن الوسطية، ولكنك عندما تتحدث معهم جميعًا ستكتشف أنهم أسعد الناس بلقب جيل الوسط! هل تريد معرفة السر؟ السر اسمه فؤاد سراج الدين، الرجل الذى أطلق فى عهده هذا الوصف لمجموعة من الشباب الذين انضموا للوفد فى عمر الصبا، ثم استمروا فى ولائهم وإخلاصهم لمبادئ الحزب العريق، رغم الضغوط الأمنية التى تعرضوا لها، فى صغرهم، فكان اللقب مهمًا لهم، ومعبرًا عن استمرار الوفد، وتواصله عبر الأجيال، حتى أصبح أبناء جيل الوسط، قيادات الحزب الآن، ويتصدر خمسة من أعضاء هذا الجيل، منصب نواب رئيس الحزب، ويتبوأ سبعة ممن أطلق عليهم اللقب، أماكنهم فى المكتب التنفيذى، ويجلس العشرات منهم فى مقاعد عضوية الهيئة العليا، وقيادة لجان المحافظات.

جيل الوسط هو عصب مهم فى تركيبة «الوفديين» الذين تحدثت عنهم الواشنطن بوست، وعناصر هذا الجيل يعتقدون أن من لم يعمل مع فؤاد سراج الدين، فقد فاته الكثير، من مواقف الرجل التاريخية، وخسر متابعة لمحاته، ونظراته الثاقبة، ودروس السياسة والحساب والأخلاق.

أعاد سراج الدين الوفد للحياة السياسية سنة 1984 ليخوض انتخابات مجلس الشعب بعد معركة واجه فيها رئيس الجمهورية شخصيًا.. فقد كانت الانتخابات بالقائمة النسبية وكان ضمن قوائم الوفد بدائرة مصر الجديدة بالقاهرة اسم شخص أثار جدلًا هو المهندس سامى مبارك الشقيق الأصغر للرئيس الأسبق حسنى مبارك.. وقد أصيب الرئيس بانزعاج شديد نتيجة انضمام شقيقه لقوائم أكبر حزب معارض لنظام حكمه.. فحاول أن يلغى اسمه من قوائم الوفد بالود من خلال الاتصال مع فؤاد سراج الدين الذى فوجئ بأحد قيادات الحزب يدخل عليه اجتماع الهيئة العليا وقال له: «استدعونى فى رئاسة الجمهورية وجلست مع الدكتور أسامة الباز ومعى رسالة لك من الرئيس.. وأريدك على انفراد لأقولها لك.. فطلب منه فؤاد باشا أن يذكر الرسالة أمام اجتماع الهيئة العليا، فقال له إن الرئيس مبارك يرجوك ألا تضع شقيقه «سامى» ضمن قوائم الوفد لأن هذا سيسبب حرجًا كبيرًا له فى الشارع.. فرد فؤاد سراج الدين: لما يكون حسنى مبارك رئيس الوفد يبقى يشيل ويحط! ومادام فؤاد سراج الدين رئيس الوفد فأنا الذى أقرر من يبقى فى قائمة الوفد ومن خارجها!» طبعًا كلام فؤاد سراج الدين كان منقولًا على الهواء عبر أجهزة التنصت.. ودفع الوفد ثمنه غاليًا.. فقد كان يتم تحريض بعض مرشحى الوفد حينًا وتهديد البعض الآخر حينًا للانسحاب من الانتخابات لضرب القائمة التى تضم سامى مبارك.. فيعود سراج الدين لبدء ترتيب القائمة من جديد دون أن يتراجع خطوة واحدة.. وكان يمكن للرجل أن يدخل فى صفقة تمنحه عددًا كبيرًا من المقاعد مقابل طرد شقيق الرئيس من قوائمه.. لكنه أصر على المبدأ، واستمر فى المعركة التى منحت الوفد 60 مقعدًا رغم التزوير.. فقد كانت تعليمات مبارك إلى وزير داخليته حسن أبوباشا أن يدفع الوفد الثمن، وأن شقيقه يجب أن يسقط فى الانتخابات. قال حسن أبوباشا: أنا لا أستطيع أن أتدخل فى دائرة شقيق سيادتكم، لو تدخلت سيقولون إننى أتدخل باسم سيادتك. قال مبارك: اعملوا أى حاجة لا يجب أن يظهر سامى مبارك فى البرلمان. ولم يستطع وزير الداخلية إسقاط شقيق الرئيس ودفع الثمن منصبه. هل عرفتم لماذا نفخر بأننا عملنا مع فؤاد سراج الدين؟ لقد حصلنا على الدرس الأول، وهو أن الوفد لا يدار من خارجه، بل يدار بواسطة مؤسساته ولجانه وقياداته المستندين لمبادئه.

وفهم «استقلال القرار الوفدى» واستيعاب جيلنا لها، حكاية اسمحوا لى بسردها.

فى نهاية الثمانينيات، عندما كنت طالباً فى كلية الحقوق، بجامعة القاهرة، انضممت لحزب الوفد العريق، والذى كان يترأسه، وقتها، فؤاد سراج الدين باشا، سكرتير عام الحزب قبل عام 1952 ومؤسسه عند عودته الأولى للحياة السياسية عام 1978، ثم عودته الثانية عام 1984. كانت طقوسى اليومية، فى ذلك الوقت، مرتبطة بزيارة الحزب يومياً مع زملائى الطلبة الوفديين، وكنت حريصاً بشكل شبه يومى بعد انتهاء يومى الدراسى، على استقلال اتوبيس 12، على ما أتذكر، لنقلى من جامعة القاهرة، إلى مقر الوفد القديم فى المنيرة بالمبتديان، لألحق بالباشا الذى أحبه «إبراهيم فرج مسيحة» سكرتير عام حزب الوفد، الذى كان مكتبه مفتوحاً لمحبيه من الشباب الذين كانوا يتطلعون لسماع حكاياته التى لا يمكن أن تسمعها من غيره! كان «إبراهيم فرج» الذى تحل علينا ذكرى رحيله، وكيلاً للمؤسسين عند عودة حزب الوفد، وأعلن، كما ذكر الكاتب لمعى المطيعى، فى فبراير من عام 1978 أمام «الدكتور مصطفى خليل» أن «الوفد» لا يريد أى مساعدة مالية من «الاتحاد الاشتراكى»، ومعنى هذا استقلال إرادة الوفد فى مواجهة النظام ومواجهة الحكومة.. وكان إبراهيم فرج يقول لنا دائماً، قرار الوفد من داخله، ولكى يصبح صاحب قراره يجب أن يمتنع عن تلقى مساعدات من حكومات أو مؤسسات أو أفراد!

كان هذا هو الدرس الأول.. والأسبوع المقبل، بإذن الله، نستكمل باقى دروس الهوية والثوابت الوفدية.

 

[email protected]