مسألة لياقة سياسية!

 

 

يتباهى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بما لم يحدث أن تباهى به رئيس أمريكي سابق، بمن في ذلك جورج بوش الابن، الذي كان يؤخذ عليه شدة انحيازه إلى إسرائيل على حساب العرب!

وكأن «ترامب» يريد أن يذهب في هذا الانحياز ذاته، إلى ما لم يذهب إليه،لا «بوش» الابن، ولا حتى الأب، ولا غيرهما من الرؤساء الأمريكان، من أيام هاري ترومان الذي قامت في عهده دولة إسرائيل!

إن الرئيس الأمريكي يقول في حواره، الذي نشرته معه صحيفة «إسرائيل هيوم» العبرية، أول هذا الأسبوع، إن مدينة القدس أصبحت خارج دائرة التفاوض بين الفلسطينيين وبين الإسرائيليين!

وهو يقصد الإشارة إلى قراره الذي اتخذه في أول ديسمبر الماضي، بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى المدينة، والاعتراف بها عاصمةً لإسرائيل!

ولم يكن هو في حاجة إلى إعادة تذكيرنا بقراره، ولا كان في حاجة إلى الإشارة إليه من جديد بهذه الطريقة المستفزة، لأن القرار لن ينساه العرب، بقدر ما أنهم لن يعترفوا به، ومعهم كل منصف، وكل صاحب قضية عادلة في أرجاء العالم!

ثم يعود «ترامب» في الحوار نفسه، ليقول إنه غير نادم على قراره، وأن القرار كان وعداً انتخابياً تعهد به وقت أن كان لا يزال مرشحاً رئاسياً، قبل فوزه بمقعده في البيت الأبيض، في نوفمبر قبل الماضي!

ولابد أن إقراره علناً بعدم الندم على اتخاذ القرار، ينطوي بشكل من الأشكال على إحساس داخلي، بأنه ارتكب ما يستحق الندم، بصرف النظر طبعاً عما إذا كان قد ندم أو لم يندم!

وهو لا يتوقف عند هذا الحد من الاستفزاز، ولكنه يواصل فيقول إنه يعتبر القرار إنجازه الأهم، خلال العام الأول الذي قضاه رئيساً!

ومفهوم أن استفزازه ليس لكل فلسطيني صاحب أرض محتلة، وقضية عادلة، ولكنه استفزاز في الوقت نفسه لكل عربي، ولكل مسلم، ولكل إنسان صاحب ضمير في العالم، لأن القدس ليست قضية فلسطينية، وإنما هي قضية أكبر من ذلك وأشمل!

وأي قراءة موضوعية لنتائج الحالات الثلاث، التي عُرِض فيها ملف القدس داخل الأمم المتحدة، قبل قرار «ترامب»، وبعده، تقول إن قضيتها خرجت من الإطار الفلسطيني، إلى الإطار العربي المسلم الإنساني.. وكانت ردود الفعل على القرار، على مستويات كثيرة، وبامتداد الأرض، شهادة على أن القرار جاء في غير محله تماماً، وأنه جاوز حدود كل لياقة سياسية مطلوبة!

واللافت أن «ترامب» أرسل وزير خارجيته، ريكس تيلرسون، في جولة بالمنطقة، في نفس توقيت نشر حواره المستفز مع الصحيفة الإسرائيلية، وكأنه يريد أن يضرب عدم اللياقة السياسية منه في اثنين!!